أخبارخدماتدرسات وابحاثمجتمع الزراعةمحاصيلمقالاتمياه ورى

ننشر نص أحدث دراسة حول أهداف التنمية الزراعية المستدامة والعلاقة بين أمن المياه والطاقة والغذاء

الإطار الاستراتيجي لأهداف التنمية الزراعية المستدامة  على أساس: العلاقة الترابطية بين أمن المياه والطاقة والغذاء

  

في السنوات القليلة تاهداف التنمية الزراعية زايد الاهتمام العالمي الماضية لفهم ودراسة العلاقات المتداخلة بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء، ونتج عن ذلك ُ ما يعرف بمفهوم “ترابط المياه والطاقة ُ والغذاء”، والذي أصبح حاليا مفهوما مدرجا  في مركز السياسات العامة العالمية، وأجندة ُ التطوير والبحث، مما يعد شاهدا  على الدور الحيوى والهام لنهج الترابط في تلبية الطلب المتنامي على المياه والطاقة والغذاء في عالم يعاني من محدودية هذه الموارد. ويمكن فهم هذه العلاقة كمنطلق أساسي لبلوغ أهداف التنمية المستدامة، مثلها مثل أساليب “من المهد إلى المهد” أو “الاقتصاد الدائري”.

العلاقة الترابطية بين المياه والطاقة والغذاء

تم صياغة مصطلح رابطة المياه والطاقة والغذاء من قبل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في إطار الجدل الموسع حول التنمية المستدامة التي تقر بتضارب الآهداف  والمصالح واحتياجات الناس والبيئة؛ وتسعى لتحقيق حل أوسط ومتوازن.  يخاطب هذا المصطلح صراحة التفاعلات المتداخلة والتغذية المرتجعة بين الانسان  والانظمة الطبيعية.  ويقصد بقاعدة الموارد كل من الموارد الطبيعية والموارد الاقتصادية – الاجتماعية التي نعتمد عليها في تحقيق مختلفا لآهداف والمصالح المتعلقة بالمياه والطاقة والغذاء. والحديث عن ترابط هذه المجموعة هو حول كيفية استخدام وإدارة أنظمة الموارد، ووصف التداخلات (أعتماد كل منها على الاثنين الآخرين)، والقيود (الظروف المناوئة أو المقايضات)، والتآزر (التعزيز المتبادل أو المكاسب المشتركة) .

تحدث هذه التداخلات في إطار الموجهات والقوى الدافعة ذات الصلة، مثل التغيرات الديموغرافية والتحضر والتطور الصناعي والزراعات الحديثة، ونظم التجارة العالمية والاقليمية، وتغير الآسواق والاسعار، والتطورات التقنية، والتنوع والتغير في التغذية، والتقلبات والتغيرات المناخية.

احتياجات الموارد والضغوط على المياه والطاقة والغذاء في المنطقة العربية يبلغ عدد سكان الدول العربية حاليا  أكثر من ٣٩٠ مليون نسمة، ومن المتوقع أن يزداد هذا العدد بنسبة ٥٠% بحلول سنة ٢٠٥٠م. كما ً تشهد المنطقة نموا اقتصاديا هائلا مما يعني ارتفاعا كبيرا  في الطلب على الموارد وتغييرا  في أنماط الاستهلاك.

إن الفقر واستنزاف الموارد وتدهورها هي قضايا واضحة في المنطقة العربية. وبالرغم من احتواء المنطقة على ٤٣% من احتياطي العالم من النفط ووجود مقومات هائلة للطاقة المتجددة، نجد أن أكثر من ٥٠ مليون نسمة في المنطقة محرومين من الوصول لخدمات الطاقة الحديثة، خاصة الكهرباء. علاوة على ذلك، تعاني المنطقة من شح شديد في موارد المياه العذبة ولا يوجد بها سوى ٠٫٣% من موارد المياه العذبة في العالم، مما يجعلها أكثر مناطق العالم شحا بالمياه.

كما أن حصة الفرد من المياه في السنة في أكثر من ٥٠ %من الدول العربية تقل عن مستوى الفقر المائي (٥٠٠ متر3 / للفرد/السنة)، ومن المتوقع أن تتناقص هذه الحصة إلى النصف بحلول عام ٢٠٥٠م، فيما يستمر الطلب على المياه بالارتفاع. وتعتبر المنطقة العربية أكبر مستورد للقمح في العالم، وقد جعلت الاضطرابات الاقتصادية التي حدثت مؤخرا سكان المنطقة أكثر عرضة لمخاطر الآمن الغذائي.

بالاضافة إلى ما سبق، يمثل التغير المناخي، الذي يحدث اساسسا بسبب استخدامات الطاقة وأنماط الاستهلاك والتغيرات في استخدامات الاراضي، تحديا آخر يفاقم من الحالة الحرجة لموارد المياه والغذاء، ويزيد من استخدام موارد الطاقة في المنطقة. ويمثل التفاوت المناخي ضغوطا إضافية ويهدد بأحداث مناخية أشد تطرفا وأكثر حدوثا أو تكرارا ) مثل الجفاف والفيضانات)، ويقلل الثقة في إمدادات المياه، ويخفض الانتاجية الزراعية.

وقد ظهرت هذه الشبكة المعقدة من اعتماد كل قطاع على القطاعات الاخرى بجلاء في السنوات القليلة الماضية في شكل أنواع جديدة من الازمات المتصلة مع بعضها البعض (الغذاء، الطاقة، والازمات المالية، مع أحداث مناخية متطرفة كالجفاف أو الفيضانات  . (ولقد أثرت مثل هذه الازمات على المواطنين العرب بشدة وبدرجات متفاوتة، وطال الفقراء ضررها الاكبر.

اما فيما يتعلق بالتحديات والفرص، تشهد المنطقة العربية علاقة قوية واعتمادا متبادلا وثيقا بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء، ربما  أكثر من أية منطقة أخرى في العالم؛ في انتاج غذاء كافي لإطعام الاعداد المتزايدة من السكان لا بد من توفير مزيد من المياه والطاقة، ولتوفير مياه نظيفة للاستهلاك الادمي فإن ذلك يتطلب الطاقة، كما أن إنتاج الطاقة يحتاج إلى المياه. وهذه العلاقات المتشابكة تزداد حدة في المنطقة العربية مع الوقت بسبب زيادة الطلب على الموارد مع ازدياد عدد السكان، وتغير أنماط الاستهلاك، ويضاف إلى ذلك انخفاض الكفاءات الادارية في جانبي الامداد والطلب في هذه القطاعات الثلاثة، كما أنه من المتوقع أن تتفاقم حدة هذه العلاقات بشكل أكبر بسبب تأثيرات ظاهرة تغير المناخ العالمي.

إن أية محاولة لتحقيق الامن في أي من هذه القطاعات بطريقة مستقلة وبدون الاخذ في الاعتبار المقايضات مع القطاعين الاخرين ستؤدي حتما لتعريض أمن القطاعات الثلاثة واستدامتها للخطر. ولذا، تمثل ً مقاربة العلاقة الترابطية للقطاعات الثلاثة والتفكير الترابطي منهج عملي ومتكاملا للتعامل مع ٍ مخاطر إمدادات المياه والطاقة والغذاء في آن واحد والمحافظة على استدامة الموارد، أي أن تحقيق أمن أي من هذه القطاعات يجب أن لا يكون على حساب القطاعين الاخرين، ولكن يمكن تحقيق الامن في القطاعات الثلاثة من خلال إنشاء التآزرات الذكية والمقايضات العادلة بينها.

وتبني الدول العربية لنهج العلاقة الترابطية لهذه القطاعات الثلاثة من شأنه أن يتيح لها الفرصة للابتكار والتعلم لتقليل المخاطر الامنية، وتعظيم الفرص وزيادة الامكانيات، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتحقيق العدالة. كما أن هذا التوجه سوف يخدم الدول العربية في الانتقال نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة العالمية وتلبية متطلبات التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون كما نص عليها مؤتمر باريس للعام ٢٠١٥ حول تغير المناخ.

وكما هو معلوم فان المنطقة العربية بأنها كثيفة الاستخدام للطاقة، وأنها تعاني شح مائي ونقص غذائي، إضافة إلى أنها من أكثر مناطق العالم عرضة للتغير المناخي والتقلبات المناخية من الناحيتين الاقتصادية والبيئية. وتبدو العلاقة بين المياه والطاقة والغذاء، واعتماد كل منها على الاخر، في هذه المنطقة أكثر وضوح من أية منطقة أخرى في العالم، ومن المتوقع أن تشهد هذه العلاقة مزيدا من التداخل بسبب ازدياد النمو السكاني وتغيير أنماط الاستهلاك.  كما يتوقع أن تزداد تحديات تلبية الطلب على المياه والطاقة والغذاء وتصبح أكثر تعقيدا بسبب التأثيرات المتوقعة لتغير المناخ والتقلبات المناخية.

وتخلق هذه الظروف تحديات هائلة أمام الحكومات العربية؛ فأي محاولة لتحقيق الامن في أحد هذه القطاعات المترابطة بشكل مستقل وبدون مراعاة للمقايضات التي تتم مع القطاعين الاخرين ستكون على حساب أمن أحد القطاعين المكونين لهذه العلاقة أو كليهما، وفي نهاية المطاف سيؤدي إلى تهديد أمن ً القطاع نفسه. فمثلا محاولة تحقيق الامن الغذائي من خلال الانتاج المحلي بدون الاخذ في الاعتبار محدودية الموارد المائية لن يؤدي إلى استنزاف الموارد المائية وتدهورها وخسارتها فحسب، بل كذلك إلى انخفاض الانتاجية الزراعية وتدهور القطاع الزراعي نفسه في آخر الامر.

وبالرغم من احتواء المنطقة العربية على ٤٣% من ً احتياطي النفط العالمي، إضافة إلى وجود مقومات هائلة ّ من مصادر الطاقة المتجددة، إلا أن ٣٥ مليون شخص في المنطقة لا يحصلون على الكهرباء. ويمثل هذا تحدي يجب مواجهته في إطار تعهدات الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، والذي يهدف إلى توفير الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة وبشكل ميسر للجميع.  علاوة على ذلك، لا يوجد في المنطقة سوى ١٫٤% من إجمالي موارد المياه العذبة في العالم، مما يجعلها أكثر ً مناطق العالم ندرة في المياه.

وحاليا تقع أكثر من نصف الدول العربية تحت مستوى خط الفقر المائي الحاد (٥٠٠ متر مكعب/الفرد/السنة)، ومن المتوقع أن تنخفض هذه الحصة بنسبة ٥٠ %بحلول العام ٢٠٥٠ ، في الوقت الذي سيستمر فيه الطلب على المياه في الارتفاع. أما فيما يتعلق بالغذاء، فالعالم العربي يعتبر أكبر مستورد للقمح، وقد أدت الاضطرابات الاقتصادية التي حدثت مؤخرا إلى جعل الناس أكثر عرضة لانعدام الامن الغذائي. وفي ظل هذا التداخل القوي والاعتماد المتبادل بين هذه القطاعات الثلاثة، فإن تبني تفكير ونهج العلاقة الترابطية في المنطقة العربية سيعود بالفائدة على القطاعات الثلاثة، وسيؤدي إلى إدارة أكثر استدامة وتنسيق أقوى بين هذه القطاعات الثلاثة.

العلاقة الترابطية بين المياه والطاقة :

المياه والطاقة من المدخلات الحيوية لتحقيق النمو الاتصادي. فالعلاقة الطردية بين النمو الاقتصادي والطلب على الطاقة علاقة قديمة ومعروفة .  وتلبية الطلب على الطاقة يتطلب توفير المياه. فالمياه من المدخلات الاساسية في معظم عمليات إنتاج الطاقة: فإنتاج الوقود الاحفوري يتطلب المياه لاستخلاص النفط ونقله ومعالجته؛

وتوليد الطاقة الحرارية باستخدام الوقود النووي أو الاحفوري أو الطاقة الشمسية المركزة يحتاج المياه للتبريد؛ والطاقة المتولدة من المياه يمكن توليدها فقط عند توفر المياه في الانهار أو في خزانات السدود؛ وموارد الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية تحتاج المياه لاغراض التبريد وتنظيف الالواح أو مّجمعات الاشعة لزيادة فاعليتها. وعليه، فإن الخيار التقني ومصدر المياه ونوع الوقود هي التي تحدد تأثيرات الطاقة على سحب موارد المياه واستهلاكها ونوعيتها. ومن المتوقع أن تمثل تعهدات قمة باريس حول التغير المناخي في سنة ٢٠١٥ بالتقيد باستخدام الطاقة النظيفة مسارا جديدا للتنمية في المنطقة العربية.

كما أن صندوق ُ المناخ، والذي ينتظر أن يخصص حوالي ١٠٠ بليون دولار أمريكي سنويا بحلول سنة ٢٠٢٠م وما بعدها، سيوفر حافزا  للتحول نحو تبني الطاقة النظيفة. وفي المقابل، نجد أن مدخلات الطاقة موزعة على كل مراحل سلسلة إمداد المياه. فالطاقة مستخدمة تقريبا في كل مرحلة من مراحل دورة المياه: كاستخراج المياه الجوفية: وتغذية محطات التحلية بمياه البحر المالحة أو المياه الجوفية قليلة الملوحة: وإنتاج المياه العذبة: الضخ: النقل وتوزيع المياه العذبة: وجمع مياه الصرف الصحي ومعالجتها وإعادة استخدامها. وبمعنى آخر، لولا الطاقة، خاصة تلك التي تكون في شكل كهرباء، لما أمكن توفير المياه ونقلها وتحقيق الرفاهية للناس.

وتشير التقديرات إلى أن دورة المياه في الدول العربية تتطلب على الاقل ١٥ % من استهلاك الطاقة الكهربائية على المستوى الوطني، وأن هذه النسبة في ازدياد مستمروفي ظل استنزاف موارد المياه العذبة التي يسهل الوصول إليها، فإن التقنيات شديدة الاستهلاك للطاقة مثل التحلية أو استخدام مضخات أقوى لسحب المياه الجوفية سوف تشهد توسعا سريعا. وتمتلك المنطقة العربية أكبر طاقة للتحلية في العالم، ومن المتوقع ازدياد هذه الطاقة في المنطقة بأكثر من خمسة أضعاف بحلول سنة ٢٠٣٠م. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك لرفع الطلب على الكهرباء لاغراض التحلية في المنطقة إلى ثلاثة أضعاف الاستهلاك الحالي، ليصل إلى ١٢٢ تيرا واط – الساعة بحلول سنة ٢٠٣٠م.

إن المخاطر والاثار التي يمثلها قطاع المياه على أمن الطاقة، وقطاع الطاقة على أمن المياه كثيرة ومتعددة. ولكن في المنطقة العربية نجد أن تهديد الطاقة  من المياه أكبر، بسبب الدور الرئيسي الذي تلعبه الطاقة في سلسلة إمداد المياه. وسوف تتأثر الدول العربية التي تلعب فيها عمليات التحلية دورا متناميا، وخصوصا دول مجلس التعاون الخليجي، تأثرا  كبيرا  بتكاليف مدخلات الطاقة في إنتاج المياه.

فتكاليف التحلية تتأثر بدرجة كبيرة بتكاليف الطاقة، وهناك تقديرات تشير إلى أن الطاقة تكلف أكثر من ٥٠% من التكلفة الاقتصادية لمحطات التحلية. وقد شهدت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قفزة كبيرة في البنىة التحتية للتوليد المشترك للمياه والطاقة وذلك باستخدام ً الحرارة الناتجة عن توليد الطاقة في تحلية المياه.

فمثلا في دبي بالامارات العربية المتحدة يتم إنتاج أكثر من ٩٥ %من المياه بفضل التوليد المشترك من محطات تستخدم الغاز الطبيعي المستورد من الخارج. وتواجه هيئة الكهرباء والماء بالامارة تزايدا  مستمرا  في تكاليف إنتاج المياه ولا تضمن استرجاع هذه التكاليف من خلال أنظمة التعرفة المعمول بها حاليا . لذا فقد قامت الهيئة بفرض رسوم إضافية على الوقود لمقابلة أية تغيرات في الاسعار العالمية للوقود وللحد من الطلب المتزايد دائما  على المياه. ومؤخرا، قامت المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وإمارة أبوظبي بمراجعة كبيرة لتعرفة المياه البلدية لتعكس التكاليف الحقيقية لانتاجها.

العلاقة الترابطية بين المياه والغذاء :

إن العلاقة بين نظام الماء والغذاء هي من أكثر عناصر الترابط التي تمت مناقشتها وتقييمها من بين عناصر ترابط المياه والطاقة والغذاء. فهذا الترابط اليوم هو رمز للتهديد والمخاطر من جانبين: تغير أنماط إمدادات المياه مما يؤثر على قطاعات أخرى تستخدم المياه بكثرة  فى قطاع الزراعة، واشتداد المنافسة على موارد المياه المحدودة لتلبية الطلب المتزايد على الغذاء. كما أن استخدام المخصبات والكيماويات الزراعية قد زاد كثيرا الممارسات الزراعية ُ العادية، حيث تطلق مثل هذه المدخلات مركبات كيمائية تتسرب إلى باطن الارض وتؤثر سلبا  على نوعية المياه الجوفية.

وفي المنطقة العربية تمثل الزراعة أكبر مستهلك للمياه إذ تستهلك حوالي ٨٥% من إجمالي المياه العذبة المسحوبة، مدفوعة في كثير من دول المنطقة بسياسات الاكتفاء الذاتي من الغذاء. ولكن في ظروف محدودية الاراضي الخصبة، وشح الموارد المائية وتناقصها، وفقر الموارد الطبيعية للزراعة، فإن أي مسعى لزيادة الانتاج الغذائي يمثل تحديا في غاية الصعوبة. فالمنطقة تعاني أصلا من ندرة المياه وتشهد تنافسا  ضاريا  بين مختلف القطاعات عليها، بما فيها قطاع الصناعة وإنتاج الكهرباء والاستخدام المنزلي والبيئة. وأمام كل هذه القطاعات المتنافسة سيكون من الصعب توفير مزيد من المياه لقطاع الري.

ولتلبية الطلب المتزايد على المياه والغذاء، لابد من الاهتمام جيدا بحسن إدارة المخاطر والفرص المرتبطة ببعضها البعض والتداخل الشائك بين خصائص أمن الغذاء وأمن ً المياه. فتوفير المياه بنوعية جيدة يؤثر مثلا على كثير من ُ جوانب الامن الغذائي. وتوفر المياه، بالنوعية والكمية المطلوبة، هي ضرورة انتاج الطعام بل وفي مراحل إنتاج الطعام وتحضيره واستهلاكه. وبالمثل، فإن التوسع والتكثيف في بعض ممارسات الانتاج، مثلا، يؤدي إلى الاكثار من استخدام مخصبات التربة التي لها تأثيرات كبيرة على أمن المياه.

وحيث أن المياه تمثل المدخل الرئيسي في جميع مراحل الانتاج الزراعي، فإن مهددات قطاع المياه على أمن الغذاء كبيرة وخطيرة. وعالميا ، نجد أن هناك مناطق بعينها يتركز فيها إنتاج الغذاء، مثل تركز إنتاج الارز والقمح ُ والحبوب والسكر في قارة آسيا. وهذه المناطق “المنتجة للغذاء العالمي” تعاني حاليا  من مشاكل المياه بسبب الجفاف واستنزاف موارد المياه الزرقاء، مما يمثل تهديدا  حقيقيا  للامن الغذائي العالمي، بما فيها العديد من الدول العربية كدول مجلس التعاون الخليجي.

علاوة على ذلك، فإنه من المتوقع أن تصبح أحواض الانهار الحيوية في المنطقة العربية الهامة في ترابط الغذاء والمياه، كالنيل ُ ودجلة والفرات، “أحواضا مغلقة” (أي تصبح مطالبة بأكثر مما تملك) بسبب الانتاج الزراعي وإنتاج الطاقة، وقد تواجه تحديات أخرى بسبب التغير المناخي وعدم وجود اتفاقيات المخاطر المصاحبة للامن الغذائي والتي قد تحدث بسبب مثل هذه الظروف. لذا، فقد شرعت كثير من الدول العربية، وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي، التي لا تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي، في شراء أو استئجار أراض زراعية في الدول الغنية نسبيا بالمياه.

وهنا بدأت تبرز بعض المخاوف المتعلقة بمدى فاعلية القوانين والانظمة التي تحكم حقوق المياه والسحب والاستخدام، إذ يؤكد البعض أن وضع اليد على هذه الاراضي يرقى للاعتراف بوضع اليد على المياه المتوفرة فيها أيضا. وتبرز المخاوف من حقيقة أن كثيرا من سكان هذه الدول يعانون أصلا من سوء التغذية وهم ضمن الشعوب المتلقية للمساعدات الدولية. وقد خلصت دراسات منظمة الامم المتحدة للاغذية والزراعة المتعلقة بتقييم تأثير الاستثمارات الاجنبية على الدول المستضيفة، إلى أنه في كثير من الحالات يتأثر أمن المياه سلبا بالنسبة للسكان المحليين، حيث يجد المزارعون المحليون أنفسهم في صراع على المياه مع المستخدمين الجدد للمياه.

علاقة ترابط الطاقة والغذاء:

يتجلى ترابط الطاقة والغذاء أساسا في استخدام الطاقة في سلسلة إمداد الغذاء.  يستهلك الانتاج الزراعي الطاقة بصورة مباشرة حسب درجة الميكنة، وذلك في شكل وقود اعداد الاراضي وحراثها، وإدارة المحاصيل والمراعي، والنقل أو توفير الكهرباء، وبصورة غير مباشرة من خلال استخدام مدخلات شديدة الاستهلاك للطاقة مثل المخصبات والمبيدات، أو استخدام الطاقة في تصنيع المنتجات الزراعية. ومن المتوقع أن تشكل تعهدات مؤتمر باريس حول التغير المناخي (كوب 21)  في عام ٢٠١٥م محركا للتحول نحو استخدام الطاقة النظيفة ورفع كفاءة الطاقة. وتعتبر الطاقة ضرورية أيضا أثناء مراحل المعالجة والتوزيع والتخزين وبيع التجزئة وتحضير المنتجات الغذائية الزراعية.

كل ذلك يجعل من الامن الغذائي أمرا في غاية الحساسية بالنسبة لمدخلات نوعية الطاقة وأسعارها. ومن الجوانب الاخرى لترابط الطاقة بالغذاء، والتي بدأت تظهر مؤخرا، تأثير نصيب الطاقة الحيوية الحديثة في مصادر الطاقة العالمية، حيث تبرز هذه الطاقة كمصدر مقبول للطاقة المتجددة في كثير من دول العالم. وهناك أمر هام يجب عدم إغفاله وهو كمية الطاقة وكمية المياه المستهلكة في ُ الغذاء المهدر، حيث أن كميات هائلة من الغذاء، استهلكت في إعدادها كميات كبيرة من الطاقة، ينتهي بها المقام في مكبات النفايات.

ففي المنطقة العربية يصل مجموع الفاقد في الحبوب في مرحلة ما بعد الحصاد (بسبب سوء الطرق المستخدمة في عملية الحصاد والمعالجة والنقل والتخزين، وأيضا بسبب عدم الفاعلية اللوجستية في النقل والامداد)، وقد يصل الفاقد في واردات القمح إلى حوالي ٣٫٧ مليار دولار بأسعار الاستيراد في سنة ٢٠١١ ، وهو ما يمثل ٤٠% من كمية القمح المنتج في البلاد العربية، وهو يعادل مجموع الاستيراد اربعة أشهر. ومثل هذه الخسائر تعني أن هناك فرص ضائعة كبيرة متمثلة في المدخلات الثمينة للمياه والاراضي والطاقة والعمل التي ضاعت في إنتاج الغذاء، وأسهمت في نفس الوقت في زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

ويمكن لطبيعة دور الطاقة في قطاع الاغذية الزراعية أن تؤثر كثيرا على أمن الغذاء. والعنصر الرئيسي الذي يمثل تهديدا من قطاع الطاقة على قطاع الغذاء هو الاعتماد على الوقود الاحفوري مما يؤدي إلى تأرجح أسعار المواد الغذائية ويعيق أحيانا توفير الغذاء. وما زال الوقود الاحفوري يمثل المصدر الرئيسي للطاقة الضرورية للتنمية التقليدية في القطاع الزراعي الغذائي، والتي تتراوح بين الكهرباء و/ أو الديزل لعمليات الضخ ومعالجة الاغذية وتخزينها، وبين توفير الوقود للمعدات الزراعية. ومن المتوقع أن يتغير هذا حيث أن هناك تعهد من الدول العربية بالتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة (الشمسية والرياح والطاقة المائية) وفقا لتعهدات مؤتمر باريس (كوب٢١ (الذي طالب الدول الاعضاء بالاسهام في تخفيف التغير المناخي والتأقلم معه.

وهذا الاعتماد على الوقود الاحفوري له ثمن باهظ لا يقتصر على التغير المناخي فحسب، بل يتعداه إلى التأثير على أسعار الغذاء بسبب التقلبات في أسعار النفط. فالازمة الغذائية العالمية التي حدثت في سنة ٢٠٠٧-٢٠٠٨ تعود أسبابها جزئيا إلى ارتفاع أسعار البترول، حيث كان لذلك أثرا مدويا أدى لرفع الطلب على الوقود الحيوي، ومن ثم ُ ارتفاع في أسعار المواد الغذائية. ويعتبر جانب التغليف من الجوانب الاخرى للسلسلة الغذائية التي تأثرت بارتفاع أسعار الطاقة (الحاويات والصناديق ….الخ) حيث أن الوقود الاحفوري هو من مدخلاتها الرئيسية.

ثم اعتماد مدخل “تكاملي”، أو “ترابطي” في إدارة هذه القطاعات الثلاثة. إن مصطلح الادارة المتكاملة للموارد ليس مفهوما جديدا، ولطالما كان الملمح الاهم في أساليب التنمية المعروفة. ويهدف النهج أو الاسلوب الترابطي إلى تكامل الادارة الاستراتيجية والحوكمة عبر القطاعات والتحول من التخطيط القطاعي التقليدي إلى استغلال الفرص الناجمة عن الربط بين هذه القطاعات الثلاثة. إن تبني التفكير والنهج الترابطي يمكنه أن يرفع من كفاءة الموارد واستدامتها وإنتاجيتها من خلال تناول التأثيرات الخارجية عبر القطاعات، والتحول إلى الطاقة النظيفة لتلبية كل من متطلبات التنمية المستدامة وتعهدات مؤتمر المناخ في باريس ٢٠١٥ .

ومن خلال هذا النهج هنالك فرصة كبيرة لزيادة كفاءة استخدام الموارد وتحقيق مكاسب عالية في ا¬نتاج والاستهلاك. وعلاوة على ذلك، يوفر التفكير الترابطي فرصا حقيقية لتضافر الجهود وتآزرها كتنسيق الاستثمارات في البنى التحتية المرتبطة بالمياه والطاقة والغذاء، والابتكار لتحسين كفاءة استخدام الموارد والقدرة على التكيف.

ُ ويجب أن يصاحب ذلك استخدام أدوات إقتصادية لتحفيز الاستثمار، مثل: تحديد أسعار للموارد وخدمات المنظومة الحيوية، تعظيم الاستخدام ذو القيمة المضافة الاعلى للمياه والطاقة من بين كل الاستخدامات المتنافسة، وإعداد الابحاث التطبيقية لتعزيز التكيف مع ظاهرة تغير المناخ العالمية في قطاع الزراعة لضمان مرونته، وبناء القدرات وتبادل الخبرات والتجارب والممارسات الجيدة على المستوى الوطني والاقليمي، وأخيرا العمل على سد الفجوة الراهنة بين العلوم والسياسات.

المخاطر المحدقة بالاستثمارات الزراعية الخارجية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بعد أزمة أسعار الغذاء العالمية، بدأت دول مجلس التعاون الخليجي وبعض المستثمرين الافراد بدراسة طرق بديلة لضمان واردات الغذاء من خلال مصادر إمداد موثوقة من خلال إستراتيجيات جديدة من أهمها شراء أو تأجير الاراضي في الدول النامية لسنوات طويلة بهدف الزراعة لاغراض التصدير. وهناك مشاريع زراعية كبيرة تابعة لدول الخليج العربي تخضع حاليا للدراسة، أو التفاوض، أو التنفيذ في بعض دول شمال إفريقيا، ودول إفريقيا جنوب الصحراء، وآسيا الوسطى، وجنوب آسيا، وشرقي أوروبا.

غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على كثير من المخاطر وتتطلب كثيرا من الحذر وحسن الادارة لضمان تحقيق الفوائد لجميع الاطراف. ويمكن للمكاسب المشتركة أن تتضمن الاستثمار أو توفير الاموال لرفع الانتاجية الزراعية في هذه الدول النامية، وتنسيق المساعدات الخليجية للدول الاجنبية بحيث يتم التركيز أكثر على التبرع لمشاريع اÃمن الغذائي ومساعدة هذه الدول في تحقيق فائض وتمكينها من التصدير مع تكثيف الاتصال بالمزارعين المحليين والتفاوض معهم.  وهناك إستراتيجيات أخرى مقترحة لتقليل مخاطر التعرض لتقلبات السوق، منها طرق إدارة المخاطر الخاصة بإدارة احتياطي الغذاء الاستراتيجي في المنطقة .

كفاءة الطاقة:

في سنة ٢٠١١ كان مزيج استهلاك الطاقة الاولية في المنطقة يعتمد على النفط ( 48.5% )، والغاز الطبيعي(50%) ، وبدرجات أقل بكثير على الفحم (0.7%)  ،والطاقة الهيدروليكية (0.8%) وهي المكون الوحيد للطاقة المتجددة الذي له تأثير محسوس في المنطقة. هذا، وتضع اتجاهات وأنماط استخدام الطاقة اقتصاديات الدول العربية ضمن الدول الاقل كفاءة على مستوى العالم. فخلاف لما هو الحال عليه في بعض الدول الاوروبية، لم يحدث فك ارتباط بين النمو الاقتصادي والطلب على الطاقة في المنطقة العربية خلال العقد الماضي، والواقع أن نمو استهلاك الطاقة كان أسرع من النمو الاقتصادي؛ فخلال الفترة ٢٠٠٠-٢٠١٠ بلغ متوسط الزيادة في الطلب على الطاقة الاولية والكهرباء حوالي ٨٪ سنوي، بينما لم يزداد متوسط نمو الناتج الاجمالي المحلي عن ٤٪ للمنطقة العربية. ولعل هذا دليل على أن الطاقة لا تستخدم بشكل فعال في اقتصاديات المنطقة لإنتاج القيمة المطلوبة.

ترابط أمن المياه والطاقة والغذاء:

أمن الطاقة (وكالة الطاقة الدولية): هي توفر مصادر الطاقة دون انقطاع وبأسعار مقبولة. أمن المياه (كمنظمة الامم المتحدة): هي قدرة السكان على الوصول إلى كميات كافية من المياه الامنة وذات النوعية المقبولة لدعم سبل الحياة، ورفاهية الانسان، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، لضمان الحماية من الملوثات التي تحملها المياه والكوارث المرتبطة بالمياه، وللمحافظة على النظام الايكولوجي في جو من السلام والاستقرار السياسي. أمن الغذاء (منظمة الاغذية والزراعة( : عندما يتمتع كافة الناس في كل الاوقات بالقدرة على الوصول المادي والاجتماعي والاقتصادي للغذاء الكافي والامن والمغذي الذي يلبي احتياجاتهم الغذائية ويناسب وأذواقهم الغذائية من أجل حياة صحية وحيوية.

القوى الدافعة لترابط المياه والطاقة والغذاء في المنطقة العربية :

تتأثر العلاقة بين المياه والطاقة والغذاء في المنطقة العربية بالعديد من العوامل الطبيعية، والديموغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية، التي لا تقوم بتقوية وتكثيف العلاقة والترابط بين هذه القطاعات فحسب، وإنما تزيد من المخاطر على بعضها البعض.

ويعتبر دعم الوقود الاحفوري عاملا مساعدا على تدني الكفاءة في استخدام الطاقة. ويمثل دعم أسعار الكهرباء في المنطقة العربية أحد التحديات الكبرى أمام تحقيق تقدم في مجال تحسين كفاءة الاستخدام. ومن العوامل الاخرى، عدم كفاءة البنى التحتية للكهرباء في كثير من الدول العربية، إذ يبلغ متوسط فقد الطاقة الكهربائية في التوليد والنقل والتوزيع حوالي ١٩٫٤٪، وهذه النسبة هي ضعف المعدل العالمي المقدر بحوالي ٨٫٣٪؛ وأعلى بكثير عن المتوسط في الدول الاوروبية  (5.8٪)، مما يعني وجود فرصة سانحة لتحقيق توفير كبير في الطاقة.

وقد شهدت العقود الثلاثة الماضية ارتفاع هائلا في الطلب على المياه في كل الدول العربية بسبب ازدياد عدد السكان ونمو المناطق الحضرية، وارتفاع مستوى المعيشة، والتنمية الصناعية، وأيض بسبب الجهود المبذولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء. ولقد ازداد إجمالي استخدام المياه في جميع القطاعات في البلاد العربية بشكل كبير من حوالي ١٩٠ مليار متر مكعب في منتصف التسعينيات من القرن المنصرم إلى حوالي ٢٥٥ مليار متر مكعب في سنة ٢٠١٠ . ُ وتستخدم معظم موارد المياه في المنطقة لأغراض الزراعية (85%) بينما تستهلك المياه البلدية والصناعية حوالي ٨٪ و٧٪ من إجمالي استخدامات المياه، على التوالي.

السكان وأنماط الاستهلاك :

شهدت المنطقة العربية في العقود الثلاثة الماضية نموا وتسارع موازي في التنمية الاقتصادية سكاني متسارع والاجتماعية؛ فقد تضاعف عدد السكان من ١٧٠ مليون نسمة في سنة ١٩٨٠م إلى أكثر من ٣٥٠ مليون نسمة في سنة ٢٠١٠م. وقد صاحب هذا النمو السكاني زيادة هائلة في الطلب على المياه والغذاء والطاقة. ولكن ارتفاع الطلب ُ هذا لا يعزى للنمو السكاني فقط، وإنما أيضا لتغير أنماط الاستهلاك، وتدني كفاءة الانتاج والامداد والاستخدام لكل من هذه السلع الحيوية الثلاثة.

وفي كثير من الدول العربية تبلغ مؤشرات الاداء الزراعي مستويات متدنية جدا، وتعتبر ُ الزراعة غير مستدامة بسبب التدهور المستمر في موارد المياه المحدودة، ومحدودية طاقة ا³راضي الصالحة للزراعة، والتي يعاني معظمها من انخفاض في معدلات الانتاجية لوحدة المساحة. وتعتبر كفاءة الري بشكل عام متدنية وتبلغ ٤٥ ٪ فى المتوسط ، وكذلك إنتاجية المحاصيل، خاصة فيما يتعلق بالحبوب الاساسية، وتبلغ بالمتوسط ١٫١٣ ألف كيلوجرام/هكتار في أكبر خمس دول منتجة للحبوب (الجزائر، العراق، المغرب، السودان، وسوريا)، مقارنة بمتوسط إنتاجية عالمية ٣٫٦٢ ألف كيلوجرام/هكتار. وتواجه بعض الدول العربية تحديات عالية في محاولتها لتحقيق الامن الغذائي محليا، وتعود للعديد من العوامل المعيقة، التي تشمل الجفاف، ومحدودية الاراضي القابلة للزراعة، وندرة موارد المياه، والتداعيات الخطيرة الناتجة عن تغير المناخ.

ويعتبر ضعف السياسات وعدم الاستثمار الكافي في البحوث العلمية والتقنية والتنمية الزراعية من العوامل الاخرى التي تسهم في فقر الموارد الزراعية وعدم كفاءة استخدامها وتدني إنتاجيتها. وتزداد تحديات تحسين أهداف الامن الغذائي في المنطقة العربية بعوامل تسارع النمو السكاني، وارتفاع الطلب ٍ على الغذاء، وتدهور الموارد الطبيعية، وتحويل الاراضي الزراعية إلى أراض سكنية. وعلاوة على ذلك، فإن فواقد ما بعد الحصاد في المنطقة العربية تعتبر كبيرة، وتشير التقديرات إلى أن الفواقد السنوية من الحبوب في الدول العربية بلغت نحو ٦٫٦ مليون طن في سنة ٢٠١٢ .كما أن فواقد القمح المستورد في بعض الدول العربية تصل إلى نحو ٣٫٣ مليون طن بسبب عدم كفاءة العمليات اللوجستية أثناء الاستيراد. وتمثل خسائر مرحلة ما بعد الحصاد هذه تكلفة الفرصة البديلة بسبب إهدار موارد المياه والطاقة المستخدمة في الانتاج.

العوامل الاقتصادية :

تمثل قطاعات المياه والطاقة والغذاء شبكة معقدة من الروابط المشتركة، ونظرا لهذا الترابط المتين، فإن سياسات الدعم في أحد هذه القطاعات تؤثر بقوة على القطاعين ً الاخرين. فمثلا، سياسات دعم قطاع الطاقة لها تأثير مباشر على استخدامات المياه في إنتاج الغذاء. بالإضافة لذلك، فإن نظام الدعم المتبع في معظم الدول العربية هو نظام الدعم العام غير الموجه، والذي يكون غالبا في صالح الاغنياء أكثر منه للفقراء، ولا يشجع على الترشيد في استخدام الموارد.  والاصلاح الاهم الذي يجب إدخاله على هذه السياسات هو ضرورة “معاملة أصحاب الدخول المختلف بشكل مختلف” وتصميم سياسات تهتم أكثر بدعم الفقراء.

تغير المناخ والتقلبات المناخية :

من المتوقع أن تتفاقم التحديات المتمثلة في تلبية الطلب المتزايد على المياه والطاقة والغذاء بشكل أكبر بسبب تداعيات التغير في المناخ. ومن المتوقع أن يكون احوال الطقس المتطرفة، والتحول في أنماط سقوط الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى البحار وغيرها من الظواهر المرتبطة بالتغير المناخي، تأثيرا على إنتاج الغذاء، وتجدد المياه واستخدامها، وإنتاج الطاقة واستهلاكها (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في ٢٠٠٧ و٢٠١٤ .

(ومن المحتمل أن تؤدي تأثيرات تغير المناخ إلى ضغوط حادة على هذه القطاعات الثلاثة من حيث توفر الموارد وتقديم الخدمات، بالإضافة إلى تكثيف الترابط الوثيق بينها. وعليه، فإن السياسات المناخية سيكون ّ لها أثرها على أمن كل من المياه والطاقة والغذاء، وقد تكون إجراءات التكيف أمرا في غاية الصعوبة ما لم يتم تبني نهج العلاقة المترابطة، وأن يتم تنفيذ هذه المقاربة بواسطة جهات ومؤسسات مؤهلة تتوفر بينها العلاقة والتنسيق المطلوبين .  ومن هنا فإن تغير المناخ يدعم ثلاثية أمن المياه، أمن الطاقة وأمن الغذاء.

التقنية والابتكار:

لقد نتج عن ندرة المياه والطاقة والغذاء والتنافس فيما بينها حلول تقنية شاركت في حل ُ بعض تحديات هذه الترابطية الثلاثية. فإدخال تقنيات جديدة ومناسبة يمكن أن ي ِّحسن من كفاءة قطاعات المياه والطاقة والغذاء، ويسهم في أمنها واستدامتها. فإدخال الطاقة المتجددة ورفع كفاءة الطاقة، وتطبيق النظم الزراعية الدقيقة والحديثة، وإعادة تدوير المياه، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ليست سوى أمثلة قليلة للقوى المحركة للعلاقة بين الثلاثة قطاعات والتقنية؛ ولكن عند تطبيق الحلول التقنية المبتكرة ً في ترابط العلاقة بين المياه والطاقة والغذاء، وخاصة عندما يتم إدماج قطاعين أو ثلاثة ُ قطاعات في شكل مدخلات لبعضها البعض، فإن ذلك لا يعزز من كفاءة الموارد فحسب، بل ّ يوسع قاعدتها الطبيعية المتوفرة، وبهذا يسهم في استدامة وأمن هذه الموارد الثلاثة بشكل أكبر.

وهناك بعض الامثلة المعتمدة على هذا النهج في العديد من الدول العربية. وفي ظل ظروف الموارد المحدودة والمقيدة التي تعيشها المنطقة العربية، قد تكون مثل هذه الحلول والابتكارات التقنية أحد أهم القوى المؤثرة التي يجب تبنيها من قبل أصحاب المصلحة لمواجهة تحديات قطاعات المياه والطاقة والغذاء.

القضايا العابرة للحدود :

بينما تكون تعقيدات الترابط بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء واضحة على المستوى الوطني لاى دولة من الدول العربية، فإن الوضع يصبح اكثر تعقيدا وحدة عندما يتم اعتباره على المستوى الاقليمي بين دولتين أو أكثر لكل منها أولويات تنموية مختلفة أو متضاربة، والتي قد تتشابك مع القوى المحركة الوطنية والاوضاع السياسية الاقليمية والدولية. ومع حقيقة أن أكثر من ٦٠٪ من موارد المياه السطحية في البلاد العربية تأتي من خارج المنطقة العربية، فإن موضوع أحواض المياه المشتركة سيظل مصدر قلق، من خلال تأثيراته على تخطيط وإدارة المياه، إضافة إلى تأثيراته على إنتاج الغذاء وتوليد الطاقة، مما يهدد أمن الغذاء والطاقة كذلك، ومن ثم ً استقرار المنطقة.

وفضلا عن ذلك، فإن هناك قوى تحاول ان تحرم بعض الدول العربية من مواردها المائية، الامر الذي يمثل قضية أخرى في المنطقة تعيق التنمية والاستقرار لتلك الدول. وعليه، لابد من تفعيل وتعزيز مؤسسات المياه الاقليمية على امتداد أحواض الانهار لتعزيز العمل الجماعي وتوزيع المياه بشكل معقول ومنصف بين الدول الواقعة على ضفاف الانهار المشتركة.

الاحتياجات البشرية، أهداف التنمية المستدامة، والترابط :

يعتبر توفير الاحتياجات الاساسية للإنسان، كالغذاء والماء، والحق في التنمية، من أهم ركائز الاطار العام للائحة حقوق الانسان التي تبنتها الدول الاعضاء في منظمة الامم المتحدة والمنظمات التابعة لها. كما أن الحق في الحصول على مياه جيدة النوعية والحق في الغذاء والحق في الطاقة (بمختلف ّ أشكالها كالكهرباء) عادة ما تكون مضمونة و/أو مستخدمة كمرادف مع مصطلح الامن.

علاوة على ذلك، وضمن أهداف التنمية المستدامة المتفق عليها في سبتمبر ٢٠١٥ من قبل ١٩٣ دولة عضو في الامم المتحدة، وجميع الدول الاعضاء في جامعة الدول العربية، تم وضع مكونات العلاقة الترابطية للثلاثة قطاعات بوضوح ضمن هذه الاهداف (الهدف الثاني المتعلق بأمن الغذاء؛ الهدف السادس حول مياه الشرب والصرف الصحي؛ والهدف السابع حول الطاقة).

وبمعنى آخر، يعني هذا أن الحق في الحصول على المياه والطاقة والغذاء هو من الحقوق غير القابلة للمصادرة. وبالإضافة لذلك، لابد من مقاربة الاهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة كوحدة واحدة وليس بشكل انفرادي، والذي بلا شك يؤكد على ضرورة تبني نهج العلاقة الترابطية للمياه والطاقة والغذاء، حيث يجب أن لا يكون تحقيق الامن في أي منها على حساب القطاعين الاخرين .

إن ما سبق يلقي الضوء على ضرورة تبني نهج العلاقة الترابطية للمياه والطاقة والغذاء وعلى أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا المنظور في صياغة السياسات لتحقيق هذه الاحتياجات والحقوق، وفي النهاية تحقيق التنمية المستدامة. ومن خلال الاعتراف بارتباط التنمية المستدامة بالأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية، فإن أهداف التنمية المستدامة يمكن تحقيقها بشكل أفضل من خلال هذه المقاربة المتكاملة. ويعتبر نهج العلاقة الترابطية لأمن المياه والطاقة والغذاء، بما يحتويه من مقاربة شاملة ومتكاملة، لبنة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ويمكن لهذا النهج أن يمهد الطريق لوضع الاسس الضرورية لصياغة السياسات أو إصلاحها، وعملية صنع القرار في مجال التآزرات المحتملة والاستفادة للثلاثة قطاعات من أجل تحقيق التنمية المستدامة.

الفرص :

كما ذكر سابقا، تمثل قطاعات المياه والطاقة والغذاء ثلاثية ُ شديدة التداخل والتعقيد، ومن الواضح أن كل من هذه القطاعات الثلاثة يؤثر على القطاعين الاخرين بشكل أو بآخر. ومن المتوقع ارتفاع الطلب على هذه السلع الثلاثة في المستقبل، واشتداد ندرتها والتنافس عليها، ومن شأن ذلك أن يؤثر على سلسلة أمن الامداد ضمن كل القطاعات.

ولذا، من الممكن من خلال تطوير سياسات وحلول متكاملة للعلاقة الترابطية بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء أن تتحول هذه التحديات إلى فرص. فمن خلال تقليص الهدر والفواقد في إنتاج، وإمداد، واستخدام المياه والطاقة والغذاء تستطيع الدول العربية أن تسد الفجوة المتوقعة من ازدياد الطلب، وأن توفر كميات هائلة من ُ الموارد الطبيعية المستهلكة في إنتاجها، وأن تحد من التأثيرات البيئية، وأن تحقق أهداف التنمية المستدامة وأهداف قمة باريس حول تغير المناخ. إن رفع الكفاءة وتقليل الهدر في سلسلة الامداد في أي من المصادر الثلاثة من شأنه أن يؤدي إلى توفير هائل في أحد القطاعين الاخرين أو كليهما؛

إلا أن تقييم الكفاءة الاقتصادية لإجراءات رفع الكفاءة في أحد القطاعات يجب ان يتم في إطار الترابط بين القطاعات الثلاثة، وإلا فأنها قد تأتي بنتائج عكسية وعواقب غير مقصودة إذا لم تصمم بشكل جيد.

ويعتبر تحسين الكفاءة و الانتاجية أكثر فعالية – من حيث التكاليف ُ – من زيادة طاقة الامداد، وذلك لان خيارات رفع الكفاءة المتاحة هي أقل تكلفة من زيادة الامداد، وتعود بفوائد تفوق التكاليف المطلوبة ً لتنفيذ هذه الخيارات.

فمثلا، في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث يعتمد إمداد المياه البلدية بدرجة كبيرة على مياه التحلية، فإن خفض إنتاج محطات التحلية أو تأخير توسعة طاقتها من خلال تنفيذ إجراءات رفع الكفاءة، مثل الحد من التسربات في شبكات التوزيع، واستخدام أجهزة الترشيد المنزلي، وإعادة التدوير، ستؤدي كلها إلى توفير مباشر في أصول المصدر الطبيعي للطاقة ً (البترول أو الغاز) المستخدم في انتاج المياه المحلاة وإمدادها. وعلاوة على الزيادة في القيمة المضافة للمتر المكعب، وتوفير المياه لاستخدامات أخرى وتخفيف الاعباء المالية على القطاع، فإن ذلك سيؤدي أيض لتقليل التكاليف البيئية المتمثلة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ومياه الرجيع عالية الملوحة والحارة للبيئة البحرية، وبالتالي الحد من تدهور النظام البيئي بصورة عامة.

كما أن مثل هذا التخفيض سينعكس على كمية مياه الصرف الصحي البلدية المتولدة، وتكلفة معالجتها، وعلى كميات مياه الصرف الصحي المحمولة للبيئة البحرية، مما يساعد في الحفاظ على وظائف النظام البيئي البحري في خدمة مجتمعات المنطقة. ومن شأن هذه الاجراءات  أن تسهم في تعزيز مرونة الانظمة البيئية وأن تدعم التخفيف من مخاطر التغير المناخي والتأقلم معه.

وبالمثل في قطاع الطاقة، حيث انخفاض كفاءة الاستخدام في المنازل وضعف البنية التحتية للكهرباء يعتبر من الامور الشائعة في العديد من البلاد العربية، فإن المكاسب المحتملة من تطبيق إجراءات رفع الكفاءة ذات الجدوى الاقتصادية ستكون جوهرية وعالية. وقد بينت العديد من الدراسات أنه في حال تطبيق قوانين البناء المتعلقة بكفاءة الطاقة، وتقليل الفواقد في شبكة نقل وتوزيع الكهرباء، والتحول إلى الاضاءة ً ذات الكفاءة العالية في المنطقة من شأنه أن يحقق توفيرا هائلا في الطاقة الاولية، والاستثمارات الجديدة، بالإضافة إلى خفض انبعاثات ثاني ُ أكسيد الكربون.

وسوف تسهم هذه الاجراءات من ناحيتها في تحقيق كل من أهداف التنمية المستدامة ومقررات قمة المناخ في باريس. وفي جانب الامداد، هناك زيادة في أهمية الحلول المتكاملة التي تعزز الامن والاستدامة في القطاعات الثلاثة، وتدعم في نفس الوقت تعهدات ُ والتزامات خفض الانبعاثات الغازية. وإن ما يسهم بشكل كبير في استدامة نظام الترابط الحالي بين المياه والطاقة والغذاء هو بالأساس استدامة مدخلات الموارد في مختلف مراحل سلسلة الامداد. فالطاقة، ُ مثلا، هي مدخل ضروري في مختلف مراحل سلسلة إنتاج المياه والغذاء، ُ والتأثيرات السلبية جراء الاعتماد على مصادر طاقة غير مستدامة هو أمر ُ لا شك فيه.

وتتسم مصادر الطاقة غير المستدامة هذه با³سعار المتقلبة، ولها تأثيرات جانبية سلبية على البيئة، وهي في حقيقتها مكلفة من حيث كثافة استخدام الموارد لاستخراجها ومعالجتها ونقلها. ومن هنا تقدم تقنيات الطاقة المتجددة حلولا متكاملة تحسن من أمن المياه والطاقة والغذاء بشكل متزامن من خلال تحديد المقايضات وتعزيز عوامل التآزر بين القطاعات الثلاثة.

والان تمثل تقنيات الطاقة المتجددة استراتيجية عامة للتحول نحو اقتصاد منخفض لانبعاثات الكربون في عصر جديد بعد اتفاقيات قمة المناخ في باريس كوب 21 وتوفر الطاقة النظيفة والنظام البيئي المرن حلولا طبيعية تتوافق مع الاهداف العامة للنمو الاخضر المؤدية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعهدات قمة باريس حول المناخ ٢٠١٥ .ومن هنا فإن نهج الترابط يمكن أن يدعم التحول إلى الاستدامة، وذلك من خلال الوصول إلى المقايضات العادلة بين القطاعات الثلاثة وتوليد فوائد إضافية تفوق التكاليف الانتقالية المصاحبة لتقوية التكامل عبر هذه القطاعات.

الفرص المتاحة لترابط المياه والطاقة والغذاء :

سلطت المشاورات التي دارت في مؤتمر بون التاريخي ٢٠١١ حول ترابط المياه والطاقة والغذاء الضوء على أهمية الحلول المتكاملة من أجل التنمية المستدامة، نموذج يكون فيه النمو الاقتصادي منفصلا عن استنزاف الموارد. ولقد وضع المؤتمر مجموعة من مجالات الفرص المتعلقة بالعلاقة الترابطية لهذه القطاعات الثلاثة، بهدف ُ دعم النمو المستدام وتحقيق أمن المياه والطاقة والغذاء بإحداث تداخل وتنسيق بين جهات اتخاذ قرار مترابطة مع بعضها البعض، وإيجاد الحلول التي تفيد جميع الاطراف ولا تسبب خسائر لاي من القطاعات الثلاثة. ومجالات الفرص هنا هي:

1) التوسع في تنسيق السياسات: سياسات متكاملة، وتفكير غير قطاعي، والترابط بين القطاعات والوزارات.

2) تسريع الحصول على الحاجات الاساسية من المياه والطاقة والغذاء: الاعتراف بالاعتبارات المنبثقة عن حقوق الانسان وحقه في الحصول على المياه والطاقة والغذاء.

3) إنتاج أكثر بموارد أقل: رفع الانتاجية والتكثيف المستدام.

4)  القضاء على الهدر والحد من الفواقد: تقليل الهدر في جميع مراحل سلسلة الامداد لتحقيق مكاسب بيئية كبرى.

5) الاهتمام بالبنى التحتية الطبيعية: الاستثمار في طبيعة متعددة الوظائف من النظم البيئية.

6) تعبئة وتحريك دور المستهلكين: إشراك المستهلكين والعملاء ّ بقوة لتغيير سلوكياتهم والتأثير على الطريقة التي يؤدون بها أعمالهم.

واخيرا ، فإن التداخل بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء واعتمادها المتبادل يستدعي إفساح المجال أمام التفكير والنهج الترابطي الذي يحد من امتداد تأثيراتها السلبية وخارجياتها على بعضها البعض، ويقلل من عمليات المقايضة بينها، ويحشد التآزر بينها. ولقد تم الاعتراف بضرورة انتهاج مثل هذا الاسلوب في الاطار الاستراتيجي العربي للتنمية المستدامة، الذي تبنته جامعة الدول العربية في سنة ٢٠١٣ ، والذي يهدف إلى التصدي للتحديات الكبرى التي تواجه مساعي الدول العربية في تحقيق التنمية المستدامة خلال الفترة ٢٠١٥ -٢٠٣٠ .

ومن شأن هذا التطور الإيجابي الجديد أن يخلق فرصا غير مسبوقة لإحداث تغيير جذري للسياسات في مختلف الانظمة الاقتصادية والمؤسساتية والتقنية والاجتماعية في المنطقة العربية. ومن الضروري جدا إجراء التحليل المؤسسي والتعلم وتبادل الخبرات بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء وعبرها من أجل تطوير معرفة جديدة حول أهمية التكامل والدمج لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وأجندة المناخ العالمي بعد مؤتمر باريس. وادماج نهج الترابط في تطوير وصياغة السياسات لابد من توفر ثلاثة شروط: ١ ) المعرفة التامة بالفرص والتحديات الكامنة في هذا الترابط  ٢ ( ُ الاطار المؤسساتي الممكن ؛ و٣ ) بناء القدرات في مجال الادوات ُ المستخدمة لتحسين فهم القيمة المضافة للتكامل.

بالطبع هناك علاقة وثيقة لا انفصام لها بين أمن المياه وأمن الطاقة وأمن الغذاء في المنطقة العربية، ربما ً أكثر قوة ِ والتحاما  في المنطقة العربية عن أية منطقة أخرى في العالم. فمن المعروف عن المنطقة العربية ثراؤها بمصادر الطاقة، وندرة مياهها، وشح الغذاء فيها، كما أنها واحدة من أكثر مناطق العالم عرضة للتأثيرات الاقتصادية والبيئية المرتبطة بالتغيرات المناخية.

وعليه، فإن هذا التداخل بين المياه والطاقة والغذاء من جانب، والتغيرات المناخية من جانب آخر، يدعونا لسير نهج وتفكير الترابط عند التخطيط ادارة هذه القطاعات الحيوية الثلاثة؛ يتم من خلاله إدارة و حوكمة القطاعات ُ الثلاثة بشكل متكامل، حيث تتراجع السياسات وعمليات اتخاذ القرار القطاعية التقليدية لاتساع المجال أمام أسلوب يقلل من المقايضات ويحشد نوعا من التآزر بين جميع القطاعات، لا سيما في ضوء أهداف الامم المتحدة للتنمية المستدامة (٢٠١٦-٢٠٣٠) وتعهدات مؤتمر باريس للتغير المناخي (كوب 21) لسنة ٢٠١٥ .

ومن حسن الطالع اعتماد نهج الترابط في الاطار الاستراتيجي العربي للتنمية المستدامة  الذي تبنته جامعة الدول العربية عام ٢٠١٣ ، والذي يهدف إلى التصدي للتحديات الرئيسية التي تواجه الدول العربية في سعيها لتحقيق التنمية المستدامة للفترة ٢٠١٥ -٢٠٣٠م. وقد أتاحت هذه التطورات الجديدة فرصا  غير مسبوقة لإحداث تغييرات جذرية في السياسات المتعلقة ً بمختلف الانظمة الاقتصادية والمؤسساتية والفنية والاجتماعية، فضلا عن تعزيز كفاءة استخدام الموارد ورفع الانتاجية من خلال حساب الخارجيات أو مجمل التكاليف في جميع هذه القطاعات.

يهدف موجز السياسات إلى طرح فهم أفضل لموضوع تداخل وترابط ً المياه والطاقة والغذاء وما تواجهه من تحديات في المنطقة العربية، فضلا عن إلقاء الضوء على المخاطر والتداعيات التي يمثلها كل قطاع على القطاعات الاخرى، من خلال وضع إطار يحدد المقايضات والتآزر لتلبية الطلب على الموارد دون أن يكون ذلك على حساب الاستدامة.

كما سيكون لتبني نهج العلاقة الترابطية لقطاعات المياه والطاقة والغذاء مردودا إيجابي كبيرا على المنطقة العربية في سعيها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعهدات اتفاقية التغير المناخي الموقعة في باريس سنة ٢٠١٥ . وعلاوة على ذلك، فإن منظور الترابط بين المياه والطاقة والغذاء يساعد على التفكير المنهجي وتبادل المعرفة بين المؤسسات التابعة للقطاعات الثلاثة.

ومن شأن ذلك أن يحسن بشكل ُ كبير الاستخدام المستدام للموارد المحدودة ويقلل من مخاطر عدم توفير الحد الادنى من الاحتياجات الاساسية في مجالات المياه والطاقة والغذاء. ومن فوائد المقاربة المتكاملة لثلاثية المياه والطاقة والغذاء أنها تساعد في التعرف على الاستجابات المتبادلة المفيدة بين القطاعات الثلاثة، وتوفر إطارا مستنيرا وشفاف لتحديد واختيار المقايضات الانسب لسد الطلب دون الاضرار بالاستدامة ودون تجاوز الخطوط الحمراء للحفاظ على البيئة.

كما ان هذا النهج الترابطي يؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال الاستخدام الاكثر كفاءة للموارد، وحسن إدارتها، ومكاسب في الانتاجية، وتقليل الهدر. ومن أجل التحقيق المتزامن لأهداف أمن المياه وأمن الطاقة وأمن الغذاء لابد من إيجاد قاعدة مشتركة ومنسقة للمعرفة للعلاقة الترابطية، ووضع مؤشرات للاستدامة ووحدات قياس تتجاوز الناتج المحلي الاجمالي لتغطي المقاييس ّ المكانية والزمانية والافاق التخطيطية ذات العلاقة.

كما أن نقص الموارد ً نحو اقتصاد ذو بصمة كربون ّ في القطاعات الثلاثة يتطلب تحولا منخفضة، واستخدام كفؤ للموارد، وإدارة الطلب، والتحول لأنماط استهلاك أكثر استدامة. وأخيرا، هناك حاجة ماسة لفصل استخدام الطاقة عن النمو الاقتصادي وذلك بالتحول إلى اقتصاد عربي “كفؤ في الموارد”، تثمن فيه المجتمعات العربية موارد المياه والطاقة والغذاء ُ وتقدر قيمتها، وتشارك في عملية صنع القرار، وتدير الموارد الطبيعية بحكمة وكفاءة.

التوصيات :

يحتاج صانعو السياسات في الدول العربية للتأكد من تكامل دورة السياسات لترابط المياه والطاقة والامن الغذائى من خلال عدد من الاجراءات، تشمل:

1) سد الفجوة المعرفية في مجال العلاقة الترابطية بين المياه والطاقة والغذاء على المستويين الوطني والاقليمي من خلال الفهم والتقييم الكمي لهذا الترابط.

2) تحديد وتحليل ترابط المياه والطاقة والغذاء بين مختلف القطاعات، من حيث التفاعلات أو المقايضات والمخاطر.

3) تبني أسلوب أو نهج ترابط المياه والطاقة والغذاء في صنع السياسات لزيادة انسجام سياسات هذه القطاعات وسياسات التغير المناخي، وبالتالي توفير حلول متكاملة وتخفيف المخاطر ذات العلاقة بهذا الترابط.

4)  تبني أسلوب التخطيط والادارة المتكاملين الذي يقلل من المقايضات وتبنى التآزر بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء.

إذا أراد العالم العربي تحقيق أهداف التنمية المستدامة وما بعدها، فيتعين عليه أن يطور مدخلا ً تنسيقي ومتكاملا لصياغة السياسات، وتطبيقها، وتقييمها في كل من قطاعات المياه والطاقة والغذاء، وذلك باتخاذ التدابير التالية:

1) تبني نهج العلاقة المتلازمة لقطاعات المياه والطاقة والغذاء في تخطيط وإدارة هذه القطاعات الثلاثة لتقليل مخاطر الامداد فيها وتمكين المنطقة من التقدم نحو مستويات أعلى في استخدام الموارد بكفاءة، وعدالة، واستدامة.

2) تحسين التعلم المؤسسي والتعرف على الروابط والاعتمادات المتبادلة بين المياه والطاقة والغذاء وتحديد قيمتها الكمية بهدف إنشاء التآزرات فيما بينها، والمقايضات العادلة بينها، وتعظيم الفرص منها.

3) إحداث تحول جذري في سياسات القطاعات الثلاثة من إدارة العرض إلى كفاءة استخدام الموارد، وإدارة الطلب، وأنماط استهلاك أكثر إنصاف وأكثر استدامة.

4) تطبيق السياسات والتشريعات والادوات الاقتصادية المناسبة لضمان تلبية الاحتياجات الاساسية للإنسان من هذه الموارد الثلاثة بأسعار مدعومة ومنخفضة، وفي نفس الوقت فرض تعرفة تعكس التكلفة الحقيقية للاستخدام المفرط لهذه الموارد.

5) إنشاء مجتمعات عربية تتسم بمعدلات انتاج كربون منخفضة وكفؤة في استخدامها للموارد، تثمن ُ قيمة المياه والطاقة والغذاء، وتشارك في عمليات صنع القرار، وتدير هذه الموارد بحكمة وكفاءة.

 

المراجع:

جامعة الدول العربية، الهيئة الدولية للمعونة الالمانية ، جامعة الخليج العربى، معهد فارس للسياسات العامة والشؤن الدولية، جامعة تكساس، و معهد مصدر (2017) .


اعداد:

د. علاء البابلى                  د. سيد احمد عبد الحافظ

خبير المياه الدولى – مصر          خبير المياه الدولى  – مصر

 

 


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى