أخبارخدماتمجتمع الزراعةمنوعات

متحف محمود عيد .. قلب الواحات البحرية النابض بالتراث والحكايات ..صور وفيديو

محمود عيد فنان حمل بوعيه الأصيل أمانة التعبير عن ثقافته ..صنع مدرسته وكُليتَه بنفسه

الواحات البحرية / مصطفى خلاف 

عند زياراتك للواحات البحرية .. لا تنسى أن تذهب إلى متحف الفنان محمود عيد ..هذا المتحف الذى ينبض فى كل ركن منه بتراث وحكايات لا تنتهى عن الواحات وأهلها وتراثتها وتقاليدها وعادتها .. كل هذا وغيره سوف تجده فى صورة مجسمات وتماثيل واشكال  تحكى لك وتأخذك بعيدا منذ نشأة واحة ” السحر والجمال”

متحف “تراث الواحات البحرية ”  ليس  متحفا عاديا كشأن الكثير من المتاحف لكنه ذاكرة حية لأهالي الواحة الطيبين ، أنشأه فنان تلقائي ليحفظ من خلاله عادات وتقاليد من عاشوا هنا، و التي تكاد تندثر مع الوقت كأي شيء أصيل بحياتنا.

الفنان الراحل محمود عيد

فى متحف محمود عيد .. هذا الفنان التلقائى الذى رحل عن عالمنا  عام 2015 عن عمر لم يتجاوز 45 سنة  .. والذى اشتهر  – كما يقول  الباحث فى الانثروبولوجيا الدكتور محمد أمين  عبد الصمد – بالخطوط القوية في لوحاته واستخدام ألوانه بشكل حر مستفيداً من مخزونه الثقافي التقليدي، وهو فنان عَلَمَ نفسَه بنفسِه، لم يلتحق بأكاديمية فنية أو كلية أو معهد متخصص في دراسة الفنون، بل صنع مدرسته وكُليتَه بنفسه وتعلم عن طريق المحاولة والتجربة وإعادة إنتاج العمل الفني وتعديله، ولم يكتف هذا الفنان بشكل فني واحد، بل تشعبت تجليات موهبته، فمارس فن التصوير والرسم، ومارس النحت الغائر والبارز، ومارس العمارة التقليدية، وصنع بنفسه أكاسيد ألوانه من الطبيعة المحيطة به، فصادق الصخور، وصاحب الأحجار، وجالس التراب الواحاتي، فصنع منه ألواناً لها روح ورائحة، إنه فنان حمل بوعيه الأصيل أمانة التعبير عن ثقافته، بالشكل الفني الذي يتقنه، متحملاً مخاطر عدم التحقق وتعجب مجتمعه منه ومن أنشطته وانتاجه الفني، بل أحياناً سخريته، ومتحملاً أيضاً تكلفة مادية يرى الكثيرون أنها وُجِّهت هباء .

محمود عيد يعيد بناء حلمه مرة أخرى 

ويقول  الدكتور محمد أمين عبد الصمد، الباحث في الانثروبولوجيا الثقافية فقد محمود عيد متحفه الأول الرائع، فقده تماماً، ولم يضع يديه على خده ويكتفي بالبكاء على الأطلال وتذكر ما كان، ولكنه بعزيمة فنان حقيقي وبصدق في النوايا والهدف، بدأ رحلة بناء متحف جديد من الصفر بل نستطيع القول من تحت الصفر، فعليه أن يسدد بعض الالتزامات أولاً قبل البداية الثانية، ورأى الكثيرون أن الحلم هذه المرة صعب جداً، وأن محمود عيد سيرهن ما تبقى من عمره لإعادة بناء حلمه، ولكن محمود عيد لا يحمل داخله إلا ثلاثة عناصر عقل طامح وإرادة فولاذية وموهبة حقيقية وقد كان، وحرص في متحفه الجديد على أن يجعل الزائر يرى الواحات البحرية في مائة عام، وكلما تجول الزائر في المتحف يعود في الزمان ويغوص في أسرار المكان وسط تكوينات رائعة، وشكل عرض متميز، رغم بساطته لا يخلو من ذكاء وحرفية

ولم يتوقف الفنان الراحل محمود عيد عن الإضافة لمتحفه كل إشراقة شمس بلا أدنى مبالغة، ولكن في نفس الوقت كان يضطر إلى بيع الكثير من إبداعاته الفنية للسائحين والزائرين حتى يستطيع الاستمرار بفنه ويستمر متحفه، ولم يرحل عام 2015 إلا بعد رحيل محمود عيد عن دنيانا، عن عمر لم يتجاوز الخامسة والأربعين، تاركاً تراثاً فنياً يتحدى النسيان، وتجليات موهبة قل أن تتكرر .

د. محمد عبد الصمد

وأكد الدكتور محمد أمين عبد الصمد، أن الفنان محمود عيد آمن بنفسه وبموهبته، ودارت عيناه البرَّاقة مُسجلة باندهاش وتركيز كل ملامح ثقافة مجتمعه، مختزناً أشكال احتفالاتهم وتجمعات عملهم وسمرهم، لم تغب ملامح أهل الواحة عنه، صَوَّرها ونحتها، لم ينظر واحاتي من أهله إلى تمثال صنعه أو لوحة رسمها إلا ورجح أن هذا تمثال عم فلان، وأن هذه صورة الخالة فلانة.

وتابع : استطاع الفنان محمود عيد إنشاء متحفاً للحياة الشعبية الواحاتية، ووضع فيه حصيلة عمره من تماثيل ولوحات وجداريات ولم يبخل على هذا المشروع الحلم بجهد أو مال، سنوات قضاها في عمل جاد واضعاً هذا الحلم في الدرجة الأولى من قائمة اهتماماته، واكتمل الحلم واقعاً رويداً رويداً أمام الناظرين، كما أراده محمود تماماً وبدأ يتوافد على المتحف المتميز الزائرون من مختلف الجنسيات، فمن زار الواحات البحرية ولم يزر متحف محمود عيد فقد فاته الكثير و الكثير جداً.

البداية .. مخاوف من الزحف العمرانى 

والبداية كانت مع مخاوف الزحف العمراني وانتشار المدنية على الواحة التى شغلت الفنان التلقائي محمود عيد، ليفكر منذ 19 عاماً وهو في عمر ال22 عاماً في إنشاء متحف خاص بمجهود فردي على جبل بمدخل الواحات البحرية.
لم يعترض الفنان محمود عيد على تطوير الواحة، لكنه رأى أن يتم بعد استشارة الفنانين التشكيليين والاستفادة من خبراء التراث لكي يتم التطوير بما يتوافق مع طبيعة المكان التراثية.

متحف محمود عيد بالواحات البحرية

كان حلمه الأساسي يتركز على أن ينشأ المتحف أعلى جبل، فبدأ بغرفة واحدة، وعندما وجد إقبالاً كبيراً من الأجانب قرر العمل على توسيع المساحة لتصل إلى 15 غرفة تحكي تاريخ الواحة التي تضم 12 قرية تتحدث لغات مختلفة، حيث استغرق إعداد وتجهيز المتحف عاماً ونصف، حيث بدأت النواة الأولى في عام 1995.
انعكست خبرات الفنان في بناء المتحف، حيث سبق له العمل كمرمم للآثار، كما عمل مع البعثة الاستكشافية التي استخرجت هيكل أحد الديناصورات قبل 15 عاماً، فضلاً عن عمله في مجال تنظيم الرحلات الاستكشافية والصحراوية لمسافات بعيدة.


بنى “عيد” المتحف ببساطة متناهية وطلاقة في تشكيل المساحات، بوابات المتحف لم تكن إلكترونية لكنها صنعت من جذوع النخيل، كما أن السلالم حجرية مدعمة بأخشاب، يوضح هيكل البناء مدى الارتجالية لدى الفنان الذي تعامل مع المبنى كعمل تشكيلي، وهناك بعض الغرف ليس لها سقف كامل على نمط بيوت الفلاحين القديمة.

محتويات متحف الفنان محمود عيد 

والزائر لمتحف الفنان محمود عيد يرى أنه حوّل رمال الصحراء والطين الطفلي وسعف النخيل إلى مكونات أساسية في التماثيل والأعمال الفنية التي صنعها، حيث طبق مقولة بمقولة المهندس المعماري حسن فتحي «لو كنت في الصحراء أبني بالطفلي ولو في القرية أبني بالطمي”.

مصطفى محمود عيد

 

التقت ” بوابة الزراعة ” الشاب مصطفى محمود عيد ليحدثنا عن محتويات متحف والده الراحل وما يحويه من كنوز فنيه ترصد تاريخ الواحة ، حيث قال مصمطفى أن والده الفنان الراحل محمود عيد كان يعشق الواحات البحريه وكان شديد الارتباط بها حتى أنه كان دائم الجلوس والحديث مع الكبار والمعمرين  من أبناء الواحة الذين اقتربوا من المئة عام أو تجاوزوها، حيث يكثر أمثالهم كونهم نشأوا على الأشياء الطبيعية والجو النقي، منهم أصحاب التجاعيد نظراً لتأثرهم بالصحراء وعوامل التعرية، مشيراً إلى أن هذا سبب اختلاف رجل الواحة عن قرينه بالمدينة، حيث تكسو وجهه التجاعيد تأثراً بالصحراء وعوامل التعرية.

وسرد هؤلاء المعمرون حكايات كثيرة للفنان محمود عيد عن الواحة قديما، واستعرض معهم تاريخها، عاداتها، تقاليدها وأصولها التي يتمسكون بها، تلك الواحة المكونة من خمس عائلات كبيرة، عائلتان من ليبيا، وواحدة من بلاد الحبشة، حيث كانت الحدود مفتوحة بين مصر والسودان، وأخرى من تركيا، بخلاف من جاؤوا من أصل فرعوني وروماني.

الحلاق وبئر المياه وسيدة ” الرحاية” والثوب البدوى ..

ويتضمن المتحف  تماثيل لبعض الشخصيات المشهورة بالواحة من أبرزها الحلاق “أحمد أبو قذافي” الذي توفي منذ قليلة   عن عمر 105 أعوام و كان صاحب “حلاقة إنجليزي” يُقبل عليها شباب الواحة، يحلق ويحصل على عيار من القمح أو الأرز مقابل عمله، ذلك الرجل الذي يجيد الإنجليزية، حيث عمل مع المعسكر الإنجليزي كحلاق له خلال الحرب العالمية الثانية.

ويوجد فى متحف الفنان محمود  عيد مجسم  لعملية الكي بالنار الذي كان يقوم به جده محمد علي موسى، فكان يسخن المسمار على رواسب المواشي ثم يكوي الألم، وهناك تمثال آخر  للكى والعلاج بالحجامة، وجلسات سمر لأصدقاء يجلسون خلال رحلة الأرغول البدوي، يعزفون على الآلات الموسيقية في الصحراء، وسيدة تخض اللبن لتصنع منه الجبن والسمن وتمثال لشخص أخر مستلقى على ظهره واضعا قدم فوق الأخرى فى وضع استرخاء وتأمل .

وكأن لسان حاله يقول :”ولا فيه حاجه تستاهل “

وتكشف جولة ” بوابة الزراعة ” داخل أروقة وغرف متحف الفنان محمود عيد عن وجود تماثيل واشكال ترصد الحياة البدوية فى الواحدة بكل تفاصيلها ، فها هو تمثال للحاجة ” عيشة” وهي تعمل بغرفة الخبيز في الفرن الشمسي، ذلك الذي يختلف عن الفرن الشمسي بالصعيد، حيث تصنع العيش ثم تضعه في الشمس، ثم تدخله إلى الفرن بعد أن يختمر، تلك السيدة التي ترتدي الزي البدوي.

ولا يمكن أن يفوتك مشهد البئر وأنت داخل متحف الواحة ، البئر الذى يتربط به أهل الواحة كثيرا فهو مصدر الماء والنماء والزراعة ومياه الشرب .. البئر باختصار هو حياة أهل الواحات البحرية .. من هنا كان للبئر  مكان مهم فى المتحف ، ويوجد أعلى فتحته إناء من الفخار مربوط بحبل لاستخراج الماء وفى الأعلى راس خشبى مستدير لجلب هذا الوعاء  .

كما ينتشر فى غرف المتحف مشاهد أخرى منها مراحل استخراج وعصر زيت الزيتون ، وكذا اشكال مختلفة للجلباب أو الثوب الخاص بالمرأة، وجلباب العروس التي تظل لخمسة شهور تصنع فيه لترتديه يوم الزفاف بجانب رصد لتفاصيل الحياة اليومية لاهالى الواحدة ومنها شرب ” الجوزة ” أو المعسل

شرب المعسل أو ” الجوزة ” من داخل متحف الفنان محمود عيد

بازار لبيع منتجات الواحات البحرية 

ويوجد بجوار متحف الفنان الراحل محمود عيد بازار لبيع المشغولات اليديوة والمنتجات التى يجرى تصنيعها من وحى الواحات البحرية ويتم بيعها  من خلال هذا المنفذ الذى يديره  مصطفى نجل الفنان ” عيد ”

ويمكنكم مشاهدة الفيديو التالى للتعرف على تفاصيل المعروضات واسعارها :

 


زر الذهاب إلى الأعلى