عثمان علام يكتب : كيف أنسى ذكرياتي وهي أحلام حياتي ؟

ومهما كبر الإنسان واشتعل رأسه شيبا ، يظل يحمل بداخله طفلاً وشاباً وحباً لم يقصه ولم يبوح لأحد به ، ورغم معارك الحياة التي لا تنتهي إلا أن هذه الحالة تظل داخلية كامنة غير قابلة للإنفجار ، لأن تفجرها يعني هدم ما سعى لبناءه عبر عشرات السنين ، ليكون البركان أشجع من الإنسان ، على الأقل هو يتنفس ما كونه عبر السنين ، بصرف النظر عن الخسائر والدماء والضحايا التي يخلفهم وراءه .

لكن يظل أجمل ما فينا تلك اللحظات التي نتذكر فيها الماضي ، فنتوق لو رجعنا للوراء وعشنا بعضاً منها مهما كانت النتيجة ، وهيهات أن يحدث ذلك .

ولانزال حتى الآن نذكر قصص العشق التي شكلت وجدان السيدات والمراهقات على يد إحسان عبدالقدوس و يوسف السباعي وأحمد بهاء الدين ومصطفى وعلي أمين ، وكيف أنهم الهبوا وجدان المراهقات قبل دخولهن لعالم الزواج .

وقد كتب الدكتور مصطفى محمود في علوم الطب والدين والأخلاق، وكان له معجبات من السيدات محبات له ومغرمات به ، وبات للشعراء في كل عصر ومكان معبودات من السيدات بأشعارهم، وسطر التاريخ حكايات لعنتر وعبله وكثير بثينة وإمرئ القيس وطرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى وعمرو بن كلثوم وغيرهم، وظلت الحياة الشعرية حتى الآن حافلة بالمعلقات السبع.

وفي التاريخ الحديث ظهر العديد من شعراء الحب والغرام ، وكان أحمد رامي احد هؤلاء الذين اثرو الاغنية العربية بكلماته العذبة الرقيقة ، التي مازالت توقظ فينا ذلك الطفل الذي تدمع عيناه وهو يدندن بكلماته ، وقد غنت أم كلثوم لرامي الكثير من القصائد، قصائد انهارت معها القلوب قبل العقول.

وكتب احمد رامي مائة وسبعة وثلاثون أغنية، شدت بها أم كلثوم، ولم يتقاضى عنها مليماً واحداً، فكتب «عزة جمالك فين..من غير ذليل يهواك»، وصعبان على اللى قاسيته فى الحب من طول الهجران
ما اعرفش ايه اللى جنيته من بعد ما رضيت بالحرمان»، وهجا ام كلثوم بأشعاره فقال: من أنتِ حتى تستبيحي كرامتي فأهين فيك كرامتي ودموعي
وأبيتُ حرّان الجوانح صادياً
أصلى بنار الوجد بين ضلوعي.
وكتب أيضاً «حيرت قلبي معاك» وحأفضل أحبك من غير ما أقولك وإيه اللي حير أفكاري ولحد قلبك ما يوم يدلك..على هوايا المداري.

وفي الهجران كتب أروع الكلمات، «يا ظالمني»: وأطاوع في هواك قلبي وأنسى الكل علشانك ،وأذوق المر في حبي بكاس صدك وهجرانك ويزداد الجوى بيّا..يبان الدمع في عنيا ،وأبات أبكي على حالي وتفرّح فيّا عُذالي ،ولما أشكي تخاصمني وتغضب لما أقول لك يوم يا ظالمني.

وعندما يئس «رامي» كتب يقول:
أصون كرامتى من قبل حبي
فإن النفس عندى فوق قلبي
رضيت هوانها فيما تقاسي
وما إذلالها فى الحب دأبي.

وعندما توفت أم كلثوم في 1975، دخل«أحمد رامي» في حالة إكتئاب شديدة، وكتب أحزن الكلمات في رثائها، ثم بعدها كسر القلم وهجر الشعر.
وعندما طلبه الرئيس السادات في حفل تأبينها عام 1976، قال أجمل الكلمات في رثائها:- ما جال في خاطري أنّي سأرثـيها بعد الذي صُغتُ من أشجى أغانيها ،قد كنتُ أسـمعها تشدو فتُطربني واليومَ أسـمعني أبكي وأبـكيهــا..صحبتُها من ضحى عمري أدُف شهد المعاني ثم أهديها ،سلافة من جنى فكري وعاطفتي، تديرها حول أرواح تناجيها، وبي من الشَّجْوِ من تغريد ملهمتي ،ما قد نسيتُ بهِ الدنيا ومـا فـيها..يـا دُرّةَ الفـنِّ.. يـا أبـهى لآلئـهِ ،سبـحان ربّي بديعِ الكونِ باريها، مهـما أراد بياني أنْ يُصـوّرها ،لا يسـتطيع لـها وصفاً وتشبيها ،وما ظننْـتُ وأحلامي تُسامرنـي ،أنّي سأسـهر في ذكرى ليـاليها.

وكتب: كيف أنسى ذكرياتي وهي أحلام حياتي، إنها صورة أيامي على مرآة ذاتي..عشت فيها بيقيني وهي قرب ووصال…ثم عاشت في ظنوني وهي وهم وخيال…ثم تبقى لي على مر السنين وهي لي ماض من العمر وآت».

اما الآن فإن السيدات والرجال أيضاً هجرن الكتاب والأشعار والأغاني ، وما عاد يستهويهن سوى عود البطل وبنت الجيران ، ليس حباً فيهم ولكن رقصن عليهم وهن مقيمات فى البيت أيام الحظر.


الكاتب الصحفى عثمان علام – رئيس تحرير المستقبل البترول


تعليقات الفيسبوك