أخباربيزنس الزراعةمقالات

الدكتور محمد كامل يكتب : عوائق إضفاء الطابع الرسمي على تصنيع البلاستيك

النشاط الاقتصادي غير الرسمي أحد ركائز  الاقتصاد المصري، ويؤدي قطاعي إدارة المخلفات وتصنيع البلاستيك غير الرسميين دوراً هاما في تسيير التعاملات الاقتصادية اليومية للبلاد. غير إن هذه القطاعات ليست مندمجة بما فيه الكفاية في الاستراتيجيات أو السياسات الوطنية في الوقت الذي تحاول فيه مصر الابتعاد عن الأنشطة غير الرسمية. وسوف يؤدي عدم إدماج القطاع غير الرسمي في التخطيط الاستراتيجي إلى جعل إضفاء الطابع الرسمي والتحول نحو اقتصاد أكثر دائرية أمراً أشد صعوبة.

وتتمركز أهمية إضفاء الطابع الرسمي حول النقاط الأساسية التالية:

    • إقرار بالقوة العاملة، مما سيسمح بإضافة استحقاقات الموظفين المطلوبة قانوناً.
    • تنظيم نشاط القطاع، بما في ذلك ساعات العمل ومتطلبات التأمين.
    • الضرائب والتنظيم النقدي للقطاع

ومن جانب آخر، لا تلتزم القطاعات غير الرسمية بأي متطلبات قانونية كما أنها لا تخضع لأي شكل من أشكال المراقبة . ولا يحصل العاملون في القطاع غير الرسمي على أي استحقاقات كما لا يتم فرض ضرائب على أنشطتهم. وتعد القطاعات غير الرسمية قطاعات مستقلة ومن المعروف أساساً أنها تضم عدداً كبيراً من الأنشطة غير القانونية. فعلى سبيل المثال، من المعروف أن هناك استغلالاً مفرطاً لعمالة الأطفال في القطاعات غير الرسمية بسبب غياب المراقبة .

قطاع تصنيع البلاستيك غير الرسمي

يعد تصنيع البلاستيك غير الرسمي أحد الصناعات الكبرى في مصر، حيث يتركز في المقام الأول في تصنيع الأكياس والعبوات البلاستيكية وهناك أكثر من ٥٥٠٠٠٠ شخص يعملون بشكل رسمي (وربما نفس العدد من الموظفين غير الرسميين) في قطاع تصنيع البلاستيك في مصر، التي تعتبر أكبر سوق للبوليمر في أفريقيا حيث وفرت ٢٠ في المائة من احتياجات القارة في 2017 (PLASTEX, n.d.). ومن المعروف أن تصنيع العبوات البلاستيكية بما في ذلك الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، يهيمن على قطاع تصنيع البلاستيك غير الرسمي (Farag & Korachy, 2017). ويعود ذلك إلى سهولة تطوير خط الإنتاج الصغير حيث عادة ما يحتاج فقط إلى ورشة صغيرة. وهناك نقاط معينة محددة في مصر جاذبة لهذا النشاط، مثل منطقتي إمبابة في القاهرة الكبرى ومحافظة القليوبية، وهي المناطق التي عادة ما يكون فيها التشغيل غير الرسمي دون وجود أي شكل من أشكال المراقبة أسهل من المناطق الأكثر تطوراً أو تنظيماً مثل الدقي ومدينة نصر.

وهناك أسباب عديدة دفعت المصنعين غير الرسميين للبلاستيك إلى اختيار البقاء في القطاع غير الرسمي، وهي تشمل الجوانب المتعلقة بالنفقات التشغيلية (OPEX) بين العملية الرسمية والعملية غير الرسمية. حيث تتطلب إدارة كيان رسمي لتصنيع البلاستيك ميزانية تشغيلية كبيرة لتكاليف مثل تكاليف إيجار الحيز المكاني وتوفير الطاقة، فيما يستطيع النشاط غير الرسمي أحياناً أن يحصل على الطاقة من خلال أساليب غير قانونية من شبكة الكهرباء لخفض النفقات التشغيلية إلى حد كبير.

وفي حين تم بذل العديد من المحاولات لجمع بيانات بشأن عمليات القطاع، فإنه لم يتم التوصل إلى معيار مقبول. وهذا يؤدي إلى استثناء نشاط القطاع غير الرسمي إلى حد كبير من السياسات والمبادرات النقدية أو المالية للاقتصاد المصري. ويتطلب جمع هذه البيانات قيام كل من وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أو وزارة التجارة والصناعة بإجراء عمليات رصد. غير إنه لا يمكن تحقيق ذلك في ظل عدم وجود بيانات أو سجل للأعمال التجارية/العمليات من القطاع غير الرسمي. ويعد هذا الأمر أحد العوائق الرئيسية من الناحية الاقتصادية التي تواجه قطاع تصنيع البلاستيك غير الرسمي عندما يتعلق الأمر بإضفاء الطابع الرسمي.

أدركت الحكومة المصرية في السنوات الأخيرة أهمية التصدي للمشاكل المتعلقة بالبالمخلفات البلاستيكية وهي بصدد وضع استراتيجيات للتصدي لتصنيع البلاستيك ولإدارة المخلفات البلاستيكية في المقام الأول (الهيئة العامة للاستعلامات، 2021). هذه الاستراتيجيات بعض الأحيان تتجاهل أصحاب المصلحة الرئيسيين في القطاع غير الرسمي الذين يعارضون إضفاء الطابع الرسمي حيث إنه يأتي بقدر من التنظيم والمراقبة الذي سيحد من سيطرتهم وقوة إنتاجهم وهوامش أرباحهم. كما إنه عادة ما يجرد الأشخاص الذين يعملون في القطاع غير الرسمي من الصفة البشرية، حيث يتم النظر إليهم على إنهم مشكلة وليس نتيجة لمشكلة  (ألا وهي غياب الحوافز والأدوات اللازمة لتأسيس مشروعات رسمية صغيرة). ويقترن التنظيم بمتطلبات وقواعد وضرائب. وسيكون مطلوب من الكيانات غير الرسمية تجنب استخدام بعض المواد الخام التي تعتبر خطرة أو غير آمنة بالنسبة للعمال، مما يعني أن تكاليف تصنيعها سوف ترتفع إلى حد كبير. كما إنه سيكون من المطلوب منهم الالتزام بالقواعد المتعلقة بالأجور والتشغيل والتسجيل، وكل ذلك من شأنه أن يجلب تكاليف إضافية لعملياتهم.

 

إن مدى استعداد صانعي السياسات والحكومة في مصر للوصول إلى حل وسط من أجل إدماج القطاع غير الرسمي وإضفاء الطابع الرسمي عليه لا يتطابق أبداً مع مدى الاستقلالية التي يرغب القطاع غير الرسمي في التنازل عنها. ومع ذلك، فإن إضفاء الطابع الرسمي على القطاع غير الرسمي لتصنيع البلاستيك سيكون أمراً لا مفر منه إذا ما كان لمصر أن تنتقل إلى اقتصاد أكثر دائرية.

المضي قدماً

إن قيام معظم القطاعات غير الرسمية على نماذج هشة وغير مستدامة للغاية وعدم تحمل كيانات القطاعات غير الرسمية لمسؤولية أي من تكاليفها البيئية يمثلان السببان الرئيسيان اللذان يفسران لماذا يعتبر إضفاء الطابع الرسمي على القطاع غير الرسمي أمراً ذو أهمية محورية للانتقال نحو نموذج الاقتصاد الدائري. وبدون وجود تنظيم كاف للاستهلاك البيئي أو المادي/ استهلاك الطاقة، فإن القطاع غير الرسمي لن يكون ملزماً على الإطلاق بأن يصبح “أكثر استدامة” أو “منعدم المخلفات “.

وبالتالي، فإنه من الضروري وضع سياسة بشأن إضفاء الطابع الرسمي واستراتيجية تابعة لها بأهداف واضحة وملموسة، ويوصى باتخاذ الإجراءات التالية في هذا الصدد:

  1. ضرورة إنشاء وكالة تخضع لمسؤولية وزارة التجارة والصناعة لتقوم على تنفيذ هذه السياسة.
  2. وينبغي تشكيل لجنة ضمن هذه الوكالة لصياغة السياسة، بحيث تضم ممثلين من مختلف الوزارات، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر وزارة التجارة والصناعة ووزارة التخطيط والنمو الاقتصادي ووزارة القوى العاملة ووزارة البيئة.
  3. ينبغي أن تقوم الوكالة بإجراء مسح لنشاط القطاع غير الرسمي بالتعاون مع العديد من الأطراف الفاعلة الرئيسية في قطاع تصنيع البلاستيك غير الرسمي. ويجب أن يتم ذلك على المستوى القومي وأن يشمل جمع بيانات كمية، مثل تكاليف التصنيع وتكاليف النقل وحجم العمليات، التي يمكن أن تساعد في صنع القرار.
  4. ينبغي أن يتم وضع خطة لانخراط أصحاب المصلحة ضمن عملية وضع السياسة، حيث يمكن أن تشمل كيانات القطاع العام (مسؤولي المحافظات أو المدن)، وكيانات القطاع الخاص وأصحاب المصلحة من القطاع غير الرسمي. ومن المهم أن يكون هناك محاولة لحصر معظم أصحاب المصلحة المباشرين وضمان استشارتهم وإشراكهم على النحو المناسب أثناء عملية صياغة السياسات. وستكون الوكالة المذكورة أعلاه مسؤولة عن هذه العملية، ربما بالتعاون مع شركة مكلفة بإجراء المشاورات الاجتماعية والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

إضفاء الطابع الرسمي من خلال صنع السياسات

 

يجب أن يتمحور وضع سياسة إضفاء الطابع الرسمي حول عنصرين رئيسيين، التحفيز والتنازل. وينبغي أن يستند كلاهما إلى الحوار. أولاً، ينبغي أن يتم إجراء مسح للقطاع غير الرسمي لفهم نشاطه. ويجب أن يهدف هذا المسح إلى إدراج إمكانية تعريف الأشكال المختلفة من الأنشطة غير القانونية (التي تدور حول التصنيع بدون تنظيم ومراقبة).

ويتعين على صانعي السياسات أن يضعوا برنامجاً تحفيزياً مناسباً يقدم فوائد أكبر لإضفاء الطابع الرسمي مقارنة بالبقاء في القطاع غير الرسمي/غير المنظم. ويجب أن يشمل ذلك الإعانات الضريبية، أو أشكالاً أخرى من الدعم تبعاً للمشاورات التي سيتم إجراؤها مع القطاع غير الرسمي. علاوة على ذلك، يجب أن تتم صياغة مسؤوليات القطاع غير الرسمي والإجراءات التي تتخذها الحكومة بشكل واضح. وسيكون للشفافية دور كبير في صياغة سياسة ناجحة.

إضافة إلى ذلك، يتعين على صانعي السياسات وضع “قائمة تنازلات”. وستوفر هذه القائمة التنازلات التي ترغب الحكومة في تقديمها لمصنعي البلاستيك غير الرسميين، والعكس صحيح، حيث تقوم الحكومة بإدراج التنازلات التي ترغب بها بشكل مثالي من مصنعي البلاستيك غير الرسميين تقديمها. وهذه هي نقطة البداية بالنسبة للمفاوضات، حيث إن المناقشات الميسرة ستوفر النقاط الختامية التي ستكون الركائز لسياسة إضفاء الطابع الرسمي. ويقدم الجدول التالي أمثلة على أنواع التنازلات التي يمكن لكلا الجانبين تقديمها لتوجهين مختلفين.

 

الجدول (1)

 

جدول التنازلات

الحكومة القطاع غير الرسمي لتصنيع البلاستيك
التسجيل وفرض الضرائب
 

التنازل: التخلي عن فرض ضرائب على كيانات القطاع غير الرسمي مباشرة في عملية إضفاء الطابع الرسمي.

آلية بديلة: دعم تسجيل الكيانات وتوفير جدول زمني واقعي ومتفق عليه لكي يصبح نشاط القطاع غير الرسمي خاضعاً للضرائب (فرض تدريجي للضرائب، بحيث يتم تطبيق نسب مئوية منخفضة ومن ثم يتم زيادتها على مدى الجدول الزمني المتفق عليه).

التنازل: استقلالية مطلقة وحركة غير منظمة ولا يتم مراقبتها

آلية بديلة: البدء بشكل تدريجي في تزويد جهات التنسيق التابعة للحكومة ببيانات أو تحديثات فصلية بشأن النشاط التجاري (على شكل عمليات مراجعة وتدقيق).

حماية العمال والتأمين
التنازل: التغاضي عن عدد من الجوانب المتعلقة بالنشاط التاريخي لبعض كيانات القطاع غير الرسمي التي يمكن أن تعتبر غير قانونية أو خفض الجزاءات التي يتعين عليها دفعها. التنازل: نظامهم الحالي لتشغيل واستخدام العمالة الذي يتسم بعدم التنظيم. ينبغي أن يبدأوا تدريجياً بدمج تأمين العمال للعمال الثابتين أو المؤقتين.

لقد فشلت التجارب السابقة التي كانت تهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على القطاعات غير الرسمية في مصر، وعلى وجه الخصوص قطاع ال المخلفات غير الرسمية، بسبب عدم رغبة الحكومة بالتنازل أو التخلي عن بعض من رؤيتها وسياساتها أثناء محاولات إدماج عمال ال المخلفات غير الرسميين كعمال مخلفات رسميين بين 2002-2008 (Gerdes & Gunsilius, 2010). وكان هذا الفشل عاملاً حفازاً أدى إلى وجود قطاع مخلفات أكثر تجزؤاً في مصر. ولذلك، فإنه عندما يتم النظر في وضع سياسات لقطاع البلاستيك غير الرسمي، يتعين على صانعي السياسات أن يكونوا حذرين للغاية، ليس فقط فيما يتعلق بكيفية إدماج العمال غير الرسميين، ولكن أيضاً من خلال ضمان ألا يخلقوا وضعاً أكثر تعقيداً مما هو موجود بالفعل.

إن مجرد القول بأنه يجب أن يتم إدماج قطاع تصنيع البلاستيك غير الرسمي في صنع السياسات وصنع القرار عند صياغة السياسات المتعلقة بالبلاستيك في مصر ما هو إلا تكرار مستمر للتوصيات السابقة التي لم تحقق أي شيء يذكر. فالقطاع غير الرسمي لتصنيع البلاستك يشهد نمواً مستمراً في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة الابتعاد عن البلاستيك على المدى البعيد. ويجب صياغة سياسة إنسانية وواقعية وقائمة على أساس المقايضة بحيث تحدد إطار وضع استراتيجية تهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على قطاع تصنيع البلاستيك غير الرسمي على مراحل، من خلال مشاورات ومشاركة كافية مع أصحاب المصلحة في هذه العملية.

المراجع:

Farag, M. G., & Korachy, A. (2017). Strengthening entrepreneurship and enterprise development (SEED): Plastic value chain mapping and assessment (Technical Report No. 20). AECOM/USAID. https://cutt.ly/4b0HGgV

 

Gerdes, P., & Gunsilius, E. (2010). The Waste experts: Enabling conditions for informal sector integration in solid waste management lessons learned from Brazil, Egypt and Indiahttps://www.giz.de/en/downloads/gtz2010-waste-experts-conditions-is-integration.pdf 

PLASTEX. (n.d.). Why Egypt?https://www.plastex-online.com/about/why-egypt/

State Information Service. (2021). Egypt starts outlining national strategy to reduce use of plastic — Ministerhttps://cutt.ly/1QB8TWe


خبير في إدارة المخلفات الصلبة. حاصل على الماجستير في هندسة الصحة العامة من جامعة ليدز. نشط في العمل بمشروعات التلوث البلاستيكي في مصر منذ عام 2018 مع جرينش (مؤسسة مجتمعية مصرية تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة).

** نقلا عن مشروع حلول للسياسات البديلة – الجامعة الامريكية


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى