أخبارمحاصيلمقالات

الدكتور محمد المليجى يكتب : ذكريات مع ورقة صنوبر.. صور

كنا ندرس مقرر دراسي جميل اسمه تشريح النبات Plant Anatomy وذلك في السنة الثالثة من كلية الزراعة تخصص أمراض النبات. كان المقرر ممل للكثير من الطلاب والطالبات ولكنه لم يكن بالنسبة لي الا متعة حقيقية. كان يدرسه لنا اثنان من أفضل الذين درسوا لي وهم الاستاذ الدكتور صلاح الدين عيد عليه رحمة الله والمعيد الاستاذ الدكتور حاليا عماد وصفي الذي كان ينهي رسالته للدكتوراه في ذلك الوقت.

بعد ان تعينت معيدا اصبحت انا المعيد الذي يدرس المادة العملية مع الاستاذ الدكتور صلاح الدين عيد رحمه الله وكان حجة في عالم النبات بعد عودته من بعثته بإنجلترا.

كنا ندرس كل شيء عن التركيب التشريحي للنباتات من الجذر الى الساق والورقة والزهرة. وعندما ننتهي من دراسة التراكيب الطبيعية نبدأ في دراسة التحورات. والتحورات في النباتات لا حصر لها فليس كل ما تراه طبيعي لان النباتات تغير من تراكيبها التشريحية لتلائم ظروف معينة كتحمل الجفاف او الدفاع عن النفس او نقل مواد معينة او حتى تخزين مركبات في اماكن لا تخطر لك على بال.

من هذه التحورات العجيبة ما نراه في ورقة الصنوبر. الصنوبر من الاشجار التى لا تنتمي لذوات الفلقة او ذوات الفلقتين. بل هي من عديدة الفلقات التى لها اوراق إبرية عجيبة اذا صنعت قطاع عرضي بها تشبه قطاع في سفينة. بشرة الورقة بها ثغور غائرة مدفونة في نسيج الورقة وذلك لحماية النبات من التبخر. اشجار الصنوبر في الغابات ترتفع كثيرا وتتعرض الى رياح عاتية ولو وجدت الثغور على السطح لتبخر ماء الورقة سريعا. في نسيج الورقة انابيب تنقل افرازات او زيت الصنوبر المعروف، اما الحزمتين الوعائيتين في مركز الورقة فيحاطان بسور عظيم من الخلايا الليفية لحمايتها.

بالطبع لم انسي تركيب هذه الورقة سواء كنت طالبا او معيدا للمادة حتى سافرت للدراسة في أمريكا. في احد محاضرات امراض النبات في الدراسات العليا أحضر المحاضر ا. د. لاري ليتلفيلد قطاع فى ورقة مصابة بمرض الصدأ وظل يشرح لنا عن المرض ثم توقف ليسألنا نحن الطلاب والطالبات الحاضرين اذا كنا نعرف الورقة المصابة بالصدأ.

لم يرفع احد يده الا العبد لله فابتسم د. لاري وقال … محمد لن تعرفها ابدا لانها لا تزرع ولا تنموا في بلادكم. قلت له هذه ورقة الصنوبر. دهش لإحابتي ودهش اكثر عندما شرحت له وللطلاب معالم القطاع الذي امامهم ونوع التحورات الموجودة.

قال لي كيف عرفت كل هذه المعلومات فقلت له تعلمتها وعلمتها في بلدي. قال هذا مدهش فعلا لأنكم تدرسون نباتات ليست في بلادكم. ضحكت وقلت له ونتعلم ايضا لغات غير لغتنا لكي نتواصل معكم.
قال انت صحيح فنحن شعوب لا نتعلم الا ما كتب بلغتنا ولذلك ينقصنا الكثير.

تكررت مواقف كهذه كثيرة في دراساتي العليا وشعرت اننا تعلمنا في مصر الكثير رغم قلة الامكانيات وكان لدينا حصيلة علمية افضل من خريجي جامعات امريكا ولذلك تفوقنا عليهم في الدراسات العليا. والسبب هو الجدية والاخلاص من استاذتنا زمان. كل الشكر لمن علمونا واطال الله في اعمارهم ورحم الله كل من توفي منهم ورزقهم الجنة.

الخلاصة اننا نستطيع ان نكون ان اردنا ان نكون.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى