أخباررئيسيزراعة عربية وعالميةمجتمع الزراعةمقالات

الدكتور توفيق عبد الحفيظ يكتب: بكتيريا “الإيروموناس” في لحوم ومعلبات الأسماك ومدي خطورتها على المستهلك

لا شك أن الأسماك من أهم مصادر البروتين الحيواني للإنسان ومن الوجبات المحببة في جميع دول العالم. وتمتع مصر بالتنوع المناخي وامتداد سواحلها بطول البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وكذلك وجود العديد من البحيرات الطبيعية كبحيرة البرلس وبحيرة المنزلة، بالإضافة إلى نهر النيل وبحيرة ناصر جعلها تزخر بتنوع في الثروة السمكية. طبقا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة بالولايات المتحدة “US-FAO” عام 2014، فقد ازداد معدل انتاج وتسويق واستهلاك الأسماك في الخمس عقود الأخيرة من 9.9الي 19.2 كجم للفرد سنويا وذلك في الفترة من 1960 الي 2012. وقد شهدت مصر طفرة في معدل انتاج الأسماك والاستزراع السمكي خاصة البلطي النيلي وأسماك البوري ” الأكثر شعبية في السوق المصري” بالإضافة الى الجمبري والمأكولات البحرية. وذلك لمواكبة الزيادة في معدلات الاستهلاك والذي ارتفع من 8.5 عام 1998 ليصل في عام 2008إلي 15.4كجم للفرد سنويا. ونظراً للظروف الاقتصادية وتدني حصة الفرد من البروتين الحيواني فان 60 % من الدول الفقيرة تعتمد على الأسماك كمصدر للبروتين بنسبة أكثر 30% من احتياجات الانسان من البروتين لذا أطلق عليه “Rich food for poor people” الغذاء الغني للشعوب الفقيرة

تحتوي الأسماك على العديد من العناصر الغذائية “micronutrients & ” Macro متمثلة في البروتين والفيتامينات والمعادن. يتميز بروتين الأسماك عن نظيره من اللحوم الحمراء والدواجن بانخفاض السعرات الحرارية والكوليسترول مما يجعله البروتين الأفضل لمرضي القلب وكبار السن لدوره في خفض معدل الكوليسترول بالدم وتفادي جلطات الأوعية الدموية وتصلب الشرايين ومقاومة أمراض الشيخوخة. كما تعد الأسماك جزءاً أساسياً في أطعمة الأطفال نظراً لسهولة هضمه واحتوائه على الاوميجا 3 الذي يلعب دورا هاما في تنشيط الذاكرة والنمو العقلي.

على الجانب الأخر قد تحتوي الأسماك على بعض المخاطر البيولوجية؛ كالبكتيريا المسببة للتسمم الغذائي “”Foodborne Pathogens والطفيليات والفيروسات كفيروس التهاب الكبدي الوبائي A، والمخاطر الكيميائية كمتبقيات المضادات الحيوية والهرمونات والمبيدات بالإضافة الى المواد المسببة للحساسية لدي بعض الأشخاص كالهيستامين.

يعد ميكروب الايرموناس واحداً من أشهر البكتيريا في الأسماك والبيئات المائية، ويؤدي الى خسائر اقتصادية في المزارع السمكية. وظل الإيروموناس لا يعدو كونه بكتيريا ممرضة للكائنات البحرية منذ اكتشافه حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث لفت الأنظار إليه وأثار تساؤلات عن مدي قدرته على إصابة الانسان وهل حقاً يسبب تسمم غذائي وعدوي معوية، وقد أمكن تقسيم الايروموناس الي مجموعتين الأولي تصيب الأسماك فقط دون أي خطر علي الإنسان وهي” ايروموناس سالمونسيدا” وهي لا يمكنها النمو في درجة حرارة 37oم يشار اليها ب”non-motile phychrophilic aeromonads” والثانية تشمل الايروموناس هيدروفيلا، وايروموناس كافيي وايروموناس فيرونياي وهي “Motile mesophilic Aeromonads”. وفي عام 1986م قامت منظمة الغذاء والدواء الأمريكية بإدراج هذه المجموعة ضمن ميكروبات التسمم الغذائي تبعتها وكالة حماية البيئة الأمريكية عام 2006م حيث أدرجت الايروموناس ضمن قائمة البكتيريا المسببة لتلوث مياه الشرب فيما يعرف بالCCL” “Contaminant Candidate list,

بداية تم إدراج الايروموناس ضمن عائلة الفيبريو “Vibrionaecae” حتى 1986حيث أجري فحص لجينوم الايروموناس تبين من خلاله اختلافه عن عائلة الفيبريو ومن ثم تم انشاء عائلة مستقلة باسم Aeromonadaecae“” وباستخدام تقنية تهجين الجينوم”DNA-Hyperidization” أمكن تقسيم جنس الايروموناس الي 17 HGs أو مجموعات جينية عوضاً عن الأنواع السيرولوجية ” “Serotypes. بداية اقتصر الاهتمام بالايروموناس بهدف التفرقة بينه وبين الفيبريو كوليرا والذي يعد واحداً من أخطر الأمراض التي واجهها الجنس البشري. وتطور هذا الإهتمام بعد ثبوت تورط الايروموناس في العديد من المشكلات مثل فساد الأغذية، والتسمم الغذائي للإنسان، بالإضافة الى الي تلوث الجروح بعد العمليات الجراحية والعلاج باستخدام العلقات الطبية “Medical Leeches”.

أهمية للايروموناس في مجال مراقبة الأغذية:

  1. 1. دور الايروموناس في فساد الأغذية وتلوث مياه الشرب:

يستطيع ميكروب الايروموناس أن ينمو في درجات حرارة مختلفة تتراوح بين 4-542م، وقد يؤدي وجوده في المنتجات المبردة بين 4-10 5م الي فساد تلك المنتجات في وجود أو عدم وجود الأوكسجين وذلك بمشاركة أنواع أخري من البكتيريا المحبة للبرودة. ويمكن اختبار قدرة الميكروب معمليا عليSlime production باستخدام اجار الكونجو الأحمر.

  • يفرز الايرموناس العديد من الانزيمات مسئولة عن تكسير النشا، والجيلاتين، والكيتين، وهذه الانزيمات تساعد على فساد الأطعمة.
  • يعد الايرومنوناس من الميكروبات النشطة بيوكيميائياً، حيث يمكنه استخدام السكريات المختلفة في تفاعلات الأكسدة في وجود الاوكسجين أو التخمر في عدم وجود الاوكسجين بالإضافة الي قدرته على انتاج كبريتيد الهيدروجين H2S
  • يستطيع الايروموناس إفراز غشاء حيوي يمكنه من مقاومة المطهرات والمنظفات والمضادات الحيوية. وهو ما يفسر مقاومته للكلورين المستخدم في تطهير مياه الشرب.
  1. يسبب التسمم الغذائي للإنسان:”Emergent Foodborne Pathogen”

منذ اكتمال توصيف جينوم الايرموناس عام 2006 وقد زاد اهتمام الباحثين بمعرفة مدي قدرة الايروموناس على افراز السموم البكتيرية التي قد تسبب عدوي للإنسان. وأي جزء من الحمض النووي مسئول عن هذه الجينات. وأشار العديد من الباحثين الي قدرة الايروموناس علي إفراز عدة أنواع من السموم البكتيرية التي تمكنه من إختراق خلايا المصاب مثل إنزيمات aerolysin (aerA),protease, lipase chitenase وايضا سموم مسئولة عن تكسير كرات الدم  الحمراء مثل hemolysin, HLAمؤدية الي انيميا وما يعرف بمتلازمة اليوريا النزفية “HUS”. كما يوجد نوعين من السموم المعوية نوع مقاوم للحرارة(ast) heat stable enterotoxin واخر حساس للحرارة(alt) heat labile enterotoxin وقد تم اختبار هذه السموم عليtissue culture من قبل العديد من الباحثين. كما تم توصيفهم والتفرقة بينهم عن طريق استخدام الاجسام المضادة الخاصة ب shiga toxin antibodies حيث وجد أن heat stable enterotoxin يتفاعل مع shiga toxin antibodies علي العكس من النوع الاخر. وتلعب هذه السموم دوراً مهماً في العدوي المعوية التي قد تحدث للإنسان نتيجة إصابته بالإيروموناس.

أعراض التسمم الغذائي بالايروموناس:

طبقا لتقرير منظمة الغذاء والدواء بالولايات المتحدة الأمريكية ومركز سلامة الغذاء والتغذية التطبيقية عام 2003 فإن الايروموناس هيدروفيلا، ايروموناس كافيي، ايروموناس سوبريا ثبت ارتباطهم بحدوث بعض حالات التهابات الجهازي الهضمي في الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات مناعية وأيضا الأشخاص العاديين. الفئات الأكثر عرضة هم الأطفال وكبار السن ومرضي ضعف المناعة والأورام الخبيثة، كما يعد سببا لمتلازمة الإسهال عند المسافرين”Traveler’s diarrhea”، وهي غالباً حالات فردية وليست في صورة وبائية وتنتج عادة من تناول الاطعمة البحرية نيئة مثل المحار وسلطة الجمبري والسالمون والسوشي او بدون تسوية جيدة كما في حالة الأسماك المدخنة والباربيكيو. أيضا يمكن للميكروب أن يصل للطعام بعد الطهي عن طريق تلوث الأسطح بالايروموناس فيما يعرف بال Cross-contamination””

وقد يؤدي الاصابة بالايروموناس إلى ظهور أعراض التهابات الجهاز الهضمي متمثلة في قيء وتقلصات معوية، ويمكن تمييز الأعراض إلى نوعين الأول عبارة عن إسهال مائي””rice water diarrhea يشبه إصابة الكوليرا التي يسببها ميكروب الفيبريو كوليرا “Vibrio cholera“. أما النوع الثاني يتمثل في دوسنتاريا مع إسهال مفرط يحتوي على مخاط ودم، هذه الأعراض قد تختفي تلقائيا في غضون أيام وقد تتحول لصورة مزمنة (الاسهال الدموي قد يختلط في تشخيصه مع تقرحات القولون) مما قد يسبب العديد من المشاكل الصحية للمرضي خاصة الذين يعانون من ضعف الجهاز المناعي””Immuno-compromised

تحدث الأعراض نتيجة تناول طعام ملوث بالايروموناس (لا يقل عن 1010 خلية بكتيرية)، يقوم الميكروب بافراز سموم بكتيرية تحفز الخلايا المبطنة لجدار الأمعاء لإنتاج أجسام مضادة”Immunoglobulin A” تؤدي بدورها الي ظهور الأعراض كالإسهال الشديد، والنزيف. وقد تختلف شدة الأعراض تبعاً لطبيعة هذه السموم وأحيانا يتداخل أكثر من نوع من السموم ينتج عنها أعراض أكثر تعقيداً.

وفي كتيب المعايير الميكروبيولوجية للسلع والمواد الغذائية الصادر عن هيئة التقييس لدول التعاون الخليجيGSO/FDS1016/2014 عام 2014م أنه يجب ألا يزيد عدد الإيرموناس عن210-310 في لحوم الأسماك ومنتجاتها المبردة أو المجمدة. وتعتمد المقايسة علي أخد 5 عينات ممثلة بحيث لا يزيد عدد الإيروموناس عن 210-310 في أي من الخمس عينات، وإلا يتم رفض المنتج.

طرق الوقاية وتقليل الإصابة بالايروموناس:

طبقاً لتوصيات منظمة الغذاء والدواء فإن المعاملات الحرارية القياسية من أهم طرق مقاومة المسببات المرضية. وبصفة عامة فقد أوصت بحفظ الطعام بالتبريد في درجة لا تزيد عن 55م أو التسخين بما لا يقل عن 557م.

  1. المعاملات الحرارية لقتل الايروموناس:

طرق الطهي التقليدية كالقلي والشي والتدخين والغلي (السلق)، ولقياس كفاءة هذه الطرق بدقة يجب أن تحدد درجة حرارة المنتج الداخلية والزمن اللازم للمعاملة وحجم المنتج. في حالة وجود أعداد بسيطة من البكتيريا تقل الحاجة الي المعاملات الحرارية القاسية، والعكس عند توقع وجود أبواغ””bacterial spores أو سموم بكتيرية فإنها ترتفع لأقصي درجة ممكنة كما في حالة كولستريديم بوتيولينم (90 5م لمدة 10 دقائق)، كما يمكن استعمال بالميكروويف والضغط العالي ((High Pressure Processing.

  1. التبريد التدريجي للمنتج ثم التجميد: يتم تبريد المنتج علي مرحلتين (ليصل21 5م خلال ساعتين) ثم (من21 الي 4 5م خلال 4 ساعات)، يليه عملية الحفظ بالتجميد عند درجة أقل من (-8 5م).
  2. 3. استخدام الزيوت الأساسية:

أجريت العديد من الدراسات لمقاومة ميكروبات المسببة للتسمم الغذائي عامة وميكروب الإيروموناس بشكل خاص كاستخدام الزيوت الأساسية “الروزماري والزعتر وحبة البركة” المصرح بها في مجال الأغذية بصورتها الطبيعية أو في صورة مستحلب نانومتري (لازالت قيد الدراسات). يعد مستخلص زيت الثوم أحد المواد الطبيعية ذات الثأثير المضاد للبكتيريا، وقد أجريت دراسة في جامعة الإسكندرية عام 2016 لمقارنة تأثير عصير وزيت الثوم، وقد ثبت نجاح عصير الثوم في تقليل أعداد الإيروموناس بينما تمكن زيت الثوم من القضاء عليها خلال 72ساعة.

أيضا يمكن استخدام الأحماض العضوية كأحماض الخليك والستريك، واللاكتيك وقد طبقت هذه الطرق في مقاومة بعض البكتيريا الممرضة “كالسالمونيلا والكامبيلوباكتر” على أسطح اللحوم والدواجن والأسماك. ومن مميزات إضافة تلك الأحماض ليس فقط تقليل الحمل البكتيري في اللحوم بل تعمل علي تحسين المذاق “Conditioning of Meat”

  1. الحفظ باستخدام الأشعة الغير متأينة Food preservation by Non-Ionizing Radiation:

تم استخدام هذه الطريقة في رحلات وكالة ناسا للفضاء بغرض حفظ الأطعمة منذ العقد السادس من القرن الماضي. وأقرت قوانين تحكم المواد التي يمكن معاملتها إشعاعياً والجرعة المقررة والتوقيت اللازم للمعاملة بحسب نوع البكتيريا أو الطفيل، وكذلك طبيعة المواد الغذائية المراد حفظها. حيث أوصت ب 0.11-0.19للحوم الطازجة و0.21- 0.34kGy للحوم المجمدة ( kGyهي وحدة قياس الإشعاع) للقضاء على الإيروموناس وهذه الجرعة أعلي من تلك الموصي بها للقضاء على كل من الفيبريو كوليرا، اليرسينيا و الكامبيلوباكتر.

هل تستطيع طرق الطهي والمواد المستعملة في حفظ الطعام القضاء التام على الميكروب؟

هناك عدة عوامل قد تؤدي الى اخفاق بعض المعاملات في القضاء التام علي الميكروبات. ما يهمنا هنا هما خاصيتين من خصائص الايروموناس وهما

  1. تكوين أغشية حيوية تجعله يقاوم بعض المطهرات وتزيد من احتمالية إعادة تلوث اللحوم بعد تنظيف الاسطح الملوثة.
  2. يتحول الميكروب الى حالة تعرف بال “VBNC”عند تعرضه لظروف غير مناسبة، تجعله لا ينمو علي الأوساط المعملية، وهذا يوحي لنا أنه تم القضاء على الميكروب.

لذا نهدف الى تأكيد مدى فاعلية بعض الطرق المستعملة في مقاومة الايروموناس في القضاء عليه أو تقليل ضراوته.


د/ توفيق عصمت عبد الحفيظ توفيق  رقابة صحية على الأغذية -معهد بحوث الصحة الحيوانية – سهوهاج – مركز البحوث الزراعية – مصر

Email: tawfeek.vet@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى