أخبارخدماترئيسيمجتمع الزراعةمقالات

الدكتور السيد وجيه يكتب : هل خريجي كليات الزراعة من بين فئات القطاع الصحي ؟!!!

نعم وبكل تأكيد وإن كان ليس كلهم!!!
لقد اندهشت كما لم أندهش من قبل حين أبلغني أحد تلاميذي النجباء من خريجي قسم “طب النبات” بكلية الزراعة، جامعة الإسكندرية والذي يعمل حالياً في المجال الطبي بعد حصوله علي دبلومة دراسات عليا في التحليلات الطبية أن مجلس النواب قد ناقش خلال جلسته العامة يوم الأربعاء الماضي الموافق 9 فبراير 2022 برئاسة المستشار المحترم الدكتور/ حنفى جبالى مشروع قانون مُقدم من الحكومة بإصدار قانون “المجلس الصحي المصري” الذي تسري أحكامه على جميع خريجي كليات القطاع الصحي وهى كليات الطب البشرى والأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي والتمريض والطب البيطري دون أن يكون من بينها كليات الزراعة التي هي بالضرورة الكلية المعنية بإنتاج الغذاء الذي يمثل أهم دعائم صحة الإنسان!!!
إن عدم إدراج خريجي بعض تخصصات كلية الزراعة وعلي رأسها “طب النبات” (Plant Medicine) الذي يسمونه خطأً “بأمراض النبات” (Plant Pathology) ضمن هذه اللجنة والفئات الخاضعة لأحكامها بينما يضمون لها خريجي الطب البيطري لدلالة علي غياب مفهوم الطب في أذهان من فعل ذلك!!!
فلولا أن هناك أمراضاً تنتقل من الحيوان إلي الإنسان ماكان لضم خريجي الطب البيطري لهذه اللجنة أي معني وبالمثل فان عدم ضم بعض تخصصات كليات الزراعة لهذه اللجنة لدلالة علي وجود نقص معرفي لا يغتفر عن أن هناك أمراضاً خطيرة تصيب النبات ويمكن أن تنتقل مسبباتها أو نواتجها السامة والممرضة منه إلي الإنسان بالإضافة إلي أن من يلقي نظرة سريعة علي مائدة الغذاء لأكتشف بكل سهولة أن ما يزيد عن 95% من غذاء الإنسان الموضوع عليها مصدره منتجات نباتية وليست حيوانية ومن هنا كان المسئول الأول عن سلامة الغذاء من خريجي كليات الزراعة وليس الطب البيطري كما يدعي قليلي الاطلاع أو أي كلية أخري!!!
فالطبيب البيطري تنتهي مهمته علي باب السلخانة (المجزر) إلا إذا كان هناك حيوانات تذبح خارجها فهنا يحق له التفتيش والكشف عليها!!! أما المنتجات الحيوانية المصنعة كالبوليبيف والبسطرمة والسدق (النقانق) والألبان والجبن والسمن بانواعه وغيرها من منتجات حيوانية تخرج، بمجرد تصنيعها، عن نطاق سلطة الطبيب البيطري وتدخل في نطاق تخصص خريجي الزراعة ولهذا السبب يندهش المرء من إستبعاد خريجي بعض تخصصات كلية الزراعة من هذه اللجنة المتعلقة بصحة الإنسان والفئات التي تسري عليها أحكامها وعلي رأسهم خريجي قسم “طب النبات” (Plant Medicine) الذي يسميه العامة خطأً “بأمراض النبات” والحشرات التطبيقية (Applied Entomology) وكيمياء وسمية المبيدات (Chemistry and Toxicology of Pesticides) والوراثة (Genetics) وتقنية الصناعات الغذائية (Food Technology) وعلوم الألبان (Dairy Sciences) والإنتاج الحيواني (Animal Production) والدواجن (Poultry) وغيرها وكلها ترتبط مباشرة بصحة الإنسان!!!
نحن نعلم أن المبرر الوحيد للسماح بالطب البيطري أن يمثل في هذه اللجنة المهتمة بصحة الإنسان هو أن هناك أمراض عديدة تصيب الحيوان وتنتقل منه إلي الإنسان (Zoonosis) إذا خالط الإنسان حيوان مريض أو تغذي عليه ولكن فات علي هؤلاء أن هناك العديد من الأمراض التي يمكن لمسبباتها (Pathogens) أو لما تفرزه من سموم (Toxins) أن تصيب الإنسان. لقد فات علي هؤلاء أن تخصص “طب النبات” في كليات الزراعة تدرس نفس طبيعة العلوم التي تدرس في كل مجالات الطب البشري والبيطري.. الفارق الوحيد أن المريض لدينا هو ذلك المخلوق الرائع المسمى بالنبات والذي لو مرض مرضنا جميعاً.
لقد فات علي هؤلاء أن علوم النبات (Botany) يتقدمهم “طب النبات” هو الذي عرف مجالات الطب الأخري والدنيا كلها أن هناك كيان حي (Living entity) اسمه الفيرس (Virus) يمكن أن يسبب أمراضاً للنبات وكانت هذه بداية نشوء علم الفيرس (Virology) الذي يدرسونه الآن لطلبتهم وهم لا يدرون، أو يدرون ويتناسون أن هذا العلم قد ولد علي أيدي علماء طب النبات فتنبهوا إلي أن هناك مسببات للأمراض كانت خافية عليهم اسمها الفيروسات فعرفوا أن سبب الإيدز (AIDS)..وشلل الأطفال (Poliomyelitis).. والزكام (Flu) .. والإنفلونزا (Influenza).. والتهاب الكبد الوبائي (Infectious hepatitis) .. والكورونا (Covid-19) وغيرها من الأمراض التي لم يكن في استطاعتهم تشخيصها أنها ناتجة عن فيروسات!!!
ونحن الذين أعلمنا كل مجالات الطب الأخري أن هناك شئ لا يعرفوه اسمه الفيرويد (Viroid) أصغر من الفيروس ويمكنه أن يسبب أمراضاً وكان ذلك علي يد العالم السويسري الأمريكي العظيم Theodor Otto Diener في عام 1970 عقب اكتشافه بأن كيانا حياً جديداً أصغر من الفيرس يسبب مرض الدرنة المغزلية في البطاطس (Potato Spindle Tuber Disease) فإنتبه بعده علماء مجالات الطب الأخرى بأن الفيرويد يسبب لديهم أمراضاً في الكبد والدماغ لم يكونوا قادرين علي تشخيصها وثبت أنها هي الأخرى تتسبب عن فيرويدات أو كيانات مرضية مشابهة تعرف بالفيروسيدات (Virusoids) اكتشفناها هي الأخري وقدمناها هدية لمجالات الطب الأخري ليعلموا أن مرض مثل إلتهاب الكبد من النوع “دي” (Hepatitis D) الذين لم يكونوا قادرين علي تشخيصه في الإنسان هو متسبب عن أحدها!!! فكيف والأمر كذلك يستبعد خريجي “طب النبات” ويسمح لأقرانهم خريجي “الطب البيطري” من الإلتحاق بهذه اللجنة!!! هناك شئ خطأ يتحتم إستدراكه لو كان لنا أن نحسن العمل ألا وهو ضم خريجي كليات الزراعة الي خريجي الكليات المتعلقة بصحة الإنسان فوراً وبدون أدني تحفظ ولتكن منظمة الغذاء والدواء الأمريكية (Food and Drug Administration) المعروفة إختصاراً بالـ FDA المثل الأعلي والتي جمعت بين الغذاء والدواء في إدارة واحدة وجائت بالغذاء أولاً رغم أنه هجائياً كان من الواجب تقديم الدواء ولكنها لم تفعل وكأنهم إطلعوا علي حديث الرسول محمد عليه أفضل الصلاة والسلام الذي ينسب كل من المرض والعلاج للطعام حين قال: “الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء”!!!
ورغم أن مسببات أمراض النبات (Plant pathogens) تصيب النبات بعنف إلا أنها تصيب الإنسان كذلك وتسبب له مرضاً إذا ضعفت قواته المسلحة (أي ضعف جهازه المناعي) لأي سبب والذي كثيراً ما يحدث!!! هنا تبدأ مسببات أمراض النبات في مهاجمة الإنسان محدثة فيه أمراضاً قد تكون أخطر وأصعب في علاجها من تلك التي تصيبه بمسببات أخري وهو يملك الأجهزة المناعية القوية!!! ولذا وصف هذا الفطر هو وأمثاله بالفطريات الانتهازية (Opportunistic fungi) كونها لا تهاجم الأصحاء ذوي الجهاز المناعي القوي والفعال ولكنها تنتهز فرصة ضعف الجهاز المناعي لدي الشخص فتهاجمه.
ومن أمثلة المسببات المرضية التي تصيب النبات ويمكنها أن تصيب الإنسان عدد من الفطريات التي يسمونها معاً بالفطريات السوداء (Black fungi) وأحيانا أخري بالـ Black molds بسبب لون جراثيمها السوداء!!! ومن أهم هذه الفطريات فطران:
الأول يسمي علمياً بالفطر Mucor circinelloides
والثاني يسمي بالـ Aspergillus niger
(وإبن عمه الفطر Aspergillus fumigatis).
فقد وجد أن الفطر الأسود المسمى Mucor هذا يهاجم غالباً أنسجة العين محدثاً لها عفن Rotting قد يمتد ليشمل العصب البصري ومنها للمخ وهنا تكون الوفاة محققة كما هو مبين في أحد الصور المرفقة كما قد يصيب الأنسجة الداخلية المبطنة للأنف والجيوب الأنفية مسبباً تهتك وموت في أنسجة الأنف تتخذ اللون الأسود (Black nasal ulceration) وقد تؤدي لنشوء خراج في الأنف قد يمتد للمخ (Rhinocerebral abscess) من الداخل وقد تصاب القنوات التنفسية وأنسجة الرئة كما قد يصيب الفطر القناة الهضمية (Gastrointestinal tract) كذلك وأنسجة أخري!!! ليس هذا فحسب بل يمكن للفطر كما هو واضح في أحد الصور المرفقة أن يصيب أنسجة الجلد في الأطراف مسببا حالة تقرح (Lesion) لأنسجة الجلد وما تحتها من أنسجة تعرف في مجموعها بالـ Cutaneous mucormycosis والتي كان يطلق عليها من قبل الـ Zygomycosis والتي يظهر علي سطحها نموات بيضاء رمادية اللون تشبه ألياف القطن وتمثل هيفات الفطر Mucor!أما الفطر الثاني المعروف بالـ Aspergillus niger (وقريبه المسمي Aspergillus fumigatus) الذي يصيب البصل ويسمي هو الآخر بالفطر الأسود (Black fungus) فكلاهما يكون هيفات مشابهة للفطر Mucor ولكنها تختلف عنه في أن الحامل الجرثومي ينموا رأسياً مع إنتفاخ أطرافه لتكوين حوصلة (Vesicle) فإذا تخيلت أنك تواجدت داخل هذه الحوصلة ودفعت جدارها بأصبع السبابة فسيبرز للخارج بروزات تشبه أصابع القفاز يطلق عليها الذنيبات (Strigmata) وهذه الذنيبات يحمل كل منها سلسلة من الجراثيم التي تعرف بالجراثيم الكونيدية (Conidiospores) فتبدوا هذه الجراثيم كما لو كانت ثمار ليمون وضعت واحدة فوق الأخري علي شكل سلسلة (Chain) علي طرف كل ذنيب!!! هذه الجراثيم السوداء نشاهدها كثيراً نحن علي شكل مسحوق أسود بين الأوراق الجافة للأبصال!!! فإذا إستنشقها من يعاني من ضعف في كفاءة جهازه المناعي فإنه يصاب بها وتعرف الحالة بالـ Aspergillosis وقد تسبب الإصابة مجرد حساسية نتيجة التهاب في الجيوب الأنفية (Allergic Aspergillus sinusitis) وقد تزداد شدة الإصابة بأن تبدوا كنوبات ربو شعبي وتعرف هنا بحالة حساسية الرئة والشعب(Allergic bronchopulmonary aspergillosis) وقد تتسبب الإصابة في نشوء حالة خطيرة تتلخص أعراضها في ارتفاع درجة الحرارة (Fever) مع ضيق في التنفس (Difficulty in respiration) بسبب ضيق القنوات التنفسية بسبب انقباض العضلات الناعمة (Smooth muscles) المدعمة لجدارها والإفراز المفرط للمخاط مع سعال (Cough) يصاحبه خروج “بلغم” (Sputum) ملوث بعروق دم وهذه الأعراض تتطابق مع أعراض مرض السل (Tuberculosis) الناتج عن البكتيريا Mycobacterium tuberculosis ولكن يسببها الفطر Aspergillus niger وأحياناً أخري الفطر Aspergillus fumigatis ولذا يطلق علي الإصابة بهما “السل الكاذب” (Pseudotuberculosis) وذلك لأن مرض السل الحقيقي المعروف يكون ناتج عن الإصابة ببكتيريا تعرف علمياً بالـ Mycobacterium tuberculosis وليس بفطر.
وما قصة مرض الإرجوت في القمح المتسبب عن الفطر Claviceps purpurea والذي تصيب إفرازاته الإنسان بأعراض خطيرة من الهلوسة قد تنتهي بالوفاة ببعيدة!!!
ثم لا يجب ألا ننسي أن خريجي كليات الزراعة قد حصلوا من قبل علي حكم قضائي نهائي بات بأحقيتهم في ممارسة مهنة التحليلات الطبية وأن عدد كبير منهم يمارسون المهنة فعلاً مما يدخلهم ضمن العاملين في المجال الطبي ويتحتم أن تشملهم أحكام “المجلس الصحي المصري” إذ كيف والأمر كذلك يستبعدوا من خريجي كليات القطاع الصحي وكلنا نعلم أن الحكم عنوان الحقيقة ولولا أن خريجي كليات الزراعة مؤهلين للعمل في المجال الطبي بحكم ما درسوه من علوم بيولوجية تهتم بالنظم الحية مما يجعل المجال الطبي ليس غريب عليهم بل هم معنيين بصحة الإنسان أصلاً فيكون من غير المنطق أن يسمح لهم بالعمل في المجال الطبي في موقع ويستبعدون من بين من يسري عليهم أحكام مجلس يهتم بالشئون الصحية في موقع آخر!!!
لذلك نطالب نقابة الزراعيين بسرعة التدخل بطلب ادراج خريجي كليات الزراعة ليكونوا ممثلين في هذا المجلس وبأن يتم ضمهم إلي باقي خريجي كليات القطاع الصحي الذين تسري عليهم جميع أحكام “المجلس الصحي المصري”!

الأستاذ الدكتور/ السيد السيد وجيه
أستاذ الفيرولوجي والبيوتكنولوجي،
ورئيس قسم أمراض النبات سابقاً – كلية الزراعة – جامعة الإسكندرية،
دكتوراة (PhD) في الفيرولوجي من الكلية الإمبراطورية
(كلية العلوم والطب) جامعة لندن،
درجة عضوية الكلية الملكية للعلوم (DIC) بلندن،
دبلومة التعليم (Education) جامعة كمبريدح-بريطانيا.
و”رئيس تحرير” (Editor-in-Chief) المجلة الدولية للفيرولوجي
(International Journal of Virology) – الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى