أخبارمقالات

الدكتور إبراهيم درويش يكتب: دعوة للتجارة مع الله وتحمل المسؤولية المجتمعية

الزكاة دليل المشاركة الاجتماعية خاصة وقت المحن

يتأفف البعض عند سماع الدعوات بالمشاركة الاجتماعية الإيجابية بين المجتمع الواحد، متنصلين من أى مسؤولية مجتمعية أو وطنية كأنهم يعيشون بمفردهم وأن اموالهم التى جمعوها قد هبطت عليهم من السماء وليست من فضل الله ودعم مجتمعاتهم ووطنهم .
وتزداد أهمية الدعوات فى اوقات المحن الشدائد والجوائح التى تمر بها الأوطان.. ولعل جائحة كورونا التى أصابت العالم كله هى أكبر الكوارث فى العصر الحديث التى أصابت ملايين البشر وأدت إلى وفاة مئات الآلاف وأدت إلى كساد اقتصادي عالمى فى كل شىء لم تنحو منه اى دولة مهما كان درجة تقدمها

مصر الأقل تضررا من تداعيات “كورونا “

ولعل البلاد الإسلامية ومنها مصر كانت أقل البلاد تضررا بفضل الله عليها وبفضل جهود الدولة وأولادها المخلصين المؤمنين بالله الذين يعرفون قيمة العطاء وخاصة وقت المحن ، ولعل الفتاوى التى اجازت الإنفاق وإخراج الزكاة فى النواحى الطبية للمرضى ودعم من فقد عمله بل وجواز إخراج زكاة الأعوام القادمة الآن لهى خير دليل على الفهم الصحيح للمقاصد الإسلامية فى الحفاظ على حياة الإنسان ففى الزكاة حياة الفرد والمجتمع .

ويجب ان نشير إلى أن المجتمع له حياة كما أن للفرد حياة، وهناك وجودان: وجود الفرد يسمى الوجود الفردي كأنا وانت – يعرض عليه الموت، ويعرض عليه الحياة، ويعرض عليه الضعف، وتعرض عليه القوة، إذن فأنا كفرد أحيى وأموت وأضعف وأقوى، وأمرض وأصح،و كما إن للفرد وجود، فإن للمجتمع أيضًا الذى يتكون من مجموع الأفراد، له حياة وموت ومرض وضعف وصحة وقوة، فالوجود الاجتماعي كالوجود الفردي، معرض لهذه الحالات وتجد القرآن الكريم ينسب الموت والحياة للفرد، وينسب الموت والحياة للجتمع، يقول تعالى مثلًا للفرد : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِها ) وينسب الموت أيضًا للمجتمع، فيقول: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾، فالمجتمع له موت وحياة، ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾،متى يموت الإنسان يموت إذا جاءه ملك الموت، أما المجتمع يموت إذا تدهور اقتصاديًا أو ثقافيًا أو أمنيًا، وذا أصبح لا يملك ثقافة ولا يملك علمًا ولا يملك حضارةً.

ولذلك هناك علاقة تفاعلية بين الفرد ومجتمعه ويجب أن تكون علاقة إيجابية وليست سلبية فعندما يأمرنا رب العزة بالزكاة فإنه يأمر الفرد ان يتكامل ويتكافل مع المجتمع الذى يعيش فيه لان قوة المجتمع من قوته وماجمع الفرد آلمال الا من خلال المجتمع الذى يعيش فيه فالإنسان لم يكسب المال بجهده وحده، بل شاركت فيه جهود وأفكار وأيد كثيرة، بعضها عن قصد، وبعضها عن غير قصد، وبالتالى ليس ملكيته للأموال ملكية مطلقة كالمفهوم الرأس مالي بل للمجتمع حق فيه لانه ساعده على اقتناء هذا المال بالتأمين والأفكار واللوجستيات قال تعالى ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، يعني المال ملك للمجتمع بأسره، وليست ملكًا للوجود الفردي، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾

ولذلك هناك آيات كثيرة فى القراءان تتحدث عن مشروعية الزكاة وجعلها ركنا اساسيا من أركان الإسلام وهناك ربط دائم بين ركنى الصلاة والزكاة فى معظم الآيات كان ذلك يشير للمتلقى اذا كانت الصلاة لتحسين الصلة بينك وبين خالقك فإن الزكاة هى الوسيلة لتحسين العلاقة بينك وبين خلق الله . ومن الآيات الجامعة عن الزكاة التى تعطى الكثير من الدلالات التى يجب ان نتوقف عندها هى قوله تعالى :
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103﴾سورة التوبة والعلماء اسْتَنْبَطوا من هذه الآية عدة دلالات لعل اهمها ان كلمة (خذ ) تدل على أن الزكاة فريضَة وحق تُؤْخَذُ ولا تُعْطى “وليست “تبرعاً” يتفضل به غني على فقير بل هى نظاما اقتصادي لم ينفرد به الإسلام بل موجود فى كل الشرائع السماوية واكد عليها الإسلام قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) وجعلها رسول الإسلام الركن الثالث من أركان الإسلام: قال صلي الله عليه وسلم: “بُنِيَ الإِسْلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ”ّوبالتالى فهي “حق معلوم” حق الله اولا تعالي : ، فالله هو المالك الحقيقي لكل ما في الكون أرضه وسمائه، والمال في الحقيقة ماله، لأنه خالقه وواهبه وميسر سبله، والمؤمن يدرك قوله ان المنعم هو الله وما بكم من نعمة فمن الله ويقول تعالى ( أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ”وهي حق للفقير ـ بوصفه أخا للغني في الدين والإنسانية،قال تعالى(”وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم. وهى حق المجتمع الذى ساعده فى تكوين الأموال وأمنه هو وماله.

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة

وعندما يقول الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة ) ، فهَو يُخاطِبُهُ على أنَّهُ وَلِيُّ أمْرِ المُسْلِمين فإن امتنعت الأفراد عن إخراجها إجبارهم عليها ولى الأمر لصالح المجتمع كما انو كَلِمَة ( أموالِهم) جاءَت جميعا دلالة على ان ّ كُلّ أنواع الأموال تَجِبُ فيها الزَّكاة، و( هُمْ ) ضمير جَمْع، أي لا يوجَد مُسْلِم مُسْتَثْنى من الزَّكاة، فنعم الله كثيرة وكل على حسب قدرته .
وكلمة( من) للتَّبْعيض وليست المال كُلِّهِ، بل بنسبة ضئيلة جدًّا ؛ تختلف على حسب المزكى منه
ويلاحظ ان الله سمى الزكاة فى هذه الاية صدقة :﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) للدلالة على ان المشاركة الاجتماعية والإنفاق يُؤَكِّدُ صِدْق الإيمان، فالنَّفْس تَميل إلى أخْذ المال وكسْبِه وعدم الإنفاق والشح
ولذلك يقول تعالى ومن يوقِ شح نفسه فؤلئك هم المفلحون

الفوائد التى تعود على الفرد والمجتمع من الإنفاق وإخراج الزكاة …فهى تطهير الفرد والمجتمع من الأمراض الاجتماعية والنفسية والقبلية وتتضح وتتجلى هذه المنح الربانية فى قوله تعالى (تطهرهم ) فهى تطْهُرُ الغنيّ مِن الشُّح، وتطْهُرُ الفقير من الحِقْد وتطْهُر المال من تَعَلُّق حقّ الغير ! كما ورَدَ عن النبي الكريم: ( برئ من الشُّح من أدَّى زكاة مالِهِ وتُطَهِّرُ الفقير مِن الحِقْد )

النماء الاقتصادى والبركة فى الأموال للأفراد والمجتمع .

ويؤكد ذلك كلمة ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ فهى تُزَكِّي الغنيّ وتحوله من تاجر جشع محترم إلى رجل محسن وعطاء ذو قلب مرهف، فالغَنِيّ حينما يؤَدِّي زكاة مالِهِ، ويُدْخِلُ الفرْحة على الفقراء، فيشْعُر الغنيّ بقيمته، لانه لم يَعُدْ تاجِرًا فقط، بل أصْبَحَ مُحْسِنًا، ، فتنْمو نفْسُهُ ويشْعُر بقيمتِهِ وأهمِّيتِهِ ومكانَتِهِ في المُجْتمع .

كما ان الفقير تَزْكو نفْسُهُ ويشْعُر ان المجتمع يعتنى ويخشى عليه ويعمل على توفير احتياجاته أنَّ له مكانة، فهو صحيح أنَّ قدرًا كانُ، فتَنْمو نفْسُهُ .

كما أن المال يزْداد بِطَريقَتَين، بِطَريقة قانونِيَّة، فالدُّوَل الغنِيَّة تُساعِد الدُّوَل الفقيرة، تقول لك: حتَّى ترْتفع عندها القدرة الشِّرائِيَّة، ، والتاجر الإيجابي الله يلهمه الصفقات الرابحة ويصرف عنه كل ما يؤدى إلى خسارته ويضع الله حبه والبركة فيه وما أجمل أن يكون التاجر فى كنف الرحمن .
وتختتم الآية بصلاة النبى على المنفقين يقول تعالى (وَصَلِّ عَلَيْهِم﴾وصلاة الرسول عطف ورحمة وبركة وطمأنينة والعظام وإجلال وتقدير لحسن صنيعيهم فما اسعد من يصلى عليه رسول الله وما اوثق من يؤمن بقوله تعالى :﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
هذا المقال دعوة للتجارة مع الله وتحمل المسؤولية المجتمعية تجاه اهلينا ومجتمعنا وخاصة فى الظروف التى يمر بها العالم وتفشى جائحة كرونا
حفظ الله الوطن من البلاء والوباء ومن تجار الفتن


ا.د ابراهيم درويش  – أستاذ المحاصيل ووكيل كلية الزراعة جامعة المنوفية لخدمة المجتمع وتنمية البيئة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى