أخبارمحاصيلمقالات

الدكتورة ايمان زعبل تكتب: المبيدات الحشرية وتأثيرها على صحة الإنسان والحيوان

إن الزيادة الرهيبة فى تعداد سكان العالم والضغوط الاقتصادية والكوارث الطبيعية من جفاف وفيضانات مدمرة جعلت من الزراعة والإنتاج الزراعى قضية إقليمية بل عالمية الأبعاد لما لها من أثار مباشرة وغير مباشرة على تقدم أو تخلف الشعوب خاصة النامية والفقيرة بل والمتقدمة كذلك.  ولسنا فى حاجة للقول أن العديد من الدول مازالت وستظل تعانى من نقص الإنتاج الزراعى، ومن ثم تعانى شعوبها من سوء التغذية حيث يتفوق التعداد السكانى على الإنتاج الزراعى. وهناك عوامل عديدة ومتشابكة بعضها يقع على مسئولية الإنسان والكثير خارج نطاق إرادته وتحكمه خاصة ثورة المياه والظروف البيئية غير المناسبة ومن بينها الإصابة بالآفات التى تدمر المحاصيل الزراعية بالتالى تؤدى إلى نقص فى الإنتاج الزراعى.

ويتساءل البعض ألم تكن الآفات موجودة منذ بدء الخليقة؟  ألم يكن هناك فقد فى الإنتاج الزراعى؟ إلى غير ذلك من التساءولات العقلانية والمتوقعة. والإجابة توضح إنه كانت هناك زراعات وآفات وفقد لا ينكر ،ولكن أثار هذا الفقد لم يكن محسوسًا بسبب قلة التعداد البشرى آنذاك، فالآفات الموجود منها ماهى آفات زراعية، أفات تتطفل على جسم الحيوان وتنقل له أمراض عديدة مما يسبب فقد فى الإنتاج الحيوانى من لحوم وألبان ونفوق الحيوانات.  لذلك بدء التفكير فى القضاء على تلك الآفات لكى نحصل على محاصيل زراعية تفى بحاجة السكان وكذلك المحافظة على الثروة الحيوانية من تلك الآفات التى تنقل الأمراض.

وقبل اكتشاف المبيدات الحديثة كان الإنسان القديم يستغل كل ما هو متاح لديه فى مكافحة الآفات.  ومع التقدم العلمى المتواصل ثم التوصل إلى المبيدات الحشرية التى قضت على الآفات، ولكن ظهرت لنا مشكلة التلوث البيئى بالمبيدات، وتعتبر ظاهرة التلوث بالمبيدات مشكلة جديدة لم يعرفها الإنسان إلا فى النصف الثانى من القرن العشرين حيث يؤدى الإسراف فى استخدام هذه الكيماويات الخطيرة إلى تلوث التربة الزراعية لأنه غالبًا ما يتبقى جزءً كبير من هذه المبيدات فى الأرض الزراعية وتسبب هذه المتبقيات كثير من الأضرار الصحية للإنسان والحيوان والنبات والبيئة عمومًا.

والمبيدات هى مواد كيميائية تستخدم فى مجالات الزراعة والصحة العامة للقضاء على آفات شتى سواء كانت حشرات أو حشائش ونباتات ضارة أو عديد من الطفيليات الأخرى التى تهدد صحة الإنسان.  والمبيدات تتركب من المواد الفعالة مضافًا إليها مواد كيميائية أخرى تسمى مادة حاملة.  ولقد بدأ التوسع فى تصنيع المبيدات الكيميائية بعد اكتشاف مركب (د. د. ت) عام 1939 ومكافحته الهائلة للعديد من الآفات وبعدها توالى اكتشاف مجموعات كثيرة من المبيدات الحشرية.

 

تقسيم المبيدات الحشرية:

المبيدات الحشرية لها تقسيمات عديدة ولكن أهم تقسيم لهذه المبيدات حسب تطورها وتركيبها ومصدرها ويمكن تقسيمها إلى:

(1) مبيدات غير عضوية:  مثل فوسفات الكالسيوم وأكسيد الماغنسيوم وأملاح الزرنيخ والنحاس والفلور والزنك وغيرها وهى سموم طبيعية.

(2) مبيدات عضوية: وتنقسم إلى:

أ –  مبيدات عضوية نباتية: وهى المواد التى تخلق داخل النبات مثل:

– النيكوتين:  الذى يؤثر على العقد العصبية فتنشط الجهاز العصبى أولاً ثم تفقد نشاطه بعد ذلك فتفشل الأعضاء عن تأدية وظائفها ويحدث النفوق.

– البيرثرين:  الذى يؤثر على الجهاز العصبى المركزى وينتج الشلل والنفوق

ب-  مبيدات عضوية صناعية:  وتنقسم إلى:

1- مبيدات الكلور العضوية:  مثل الـ د. د. ت، والتوكسافين والهيبتاكلور وتؤثر هذه المركبات على نسبة استهلاك الخلايا للأكسجين فتزيده إلى ثلاثة أضعاف، مما يؤدى إلى اختلال عملية تمثل المواد الدهنية بزيادة احتراقها كما يحدث فى مركبات الداى نيترفينول أما مركبات الـ د. د. ت ومشابهاتها تؤثر على الجهاز العصبى وكذلك تؤثر على نسبة استهلاك الخلايا للأكسجين. وهذه المركبات خطيرة لكونها تخزن فى الأنسجة والسوائل الغنية بالدهون فى الحيوان والإنسان لذلك فإنها تخزن لمدة طويلة فى أنسجة الحيوان ويتم إخراجها ببطء كما أنها تسبب تسمم مزمن.

2- مبيدات الفوسفور العضوية:  مثل الملاثيون، الباريثون، الديمثويت والدورسبان، وهى مبيدات شديدة السمية، والأخطر على الإنسان والحيوان وتعمل على تثبيط وإيقاف عمل أنزيم الكولين استريز بالأنسجة والجهاز العصبى للإنسان والحيوان والحشرات.  وهذا الأنزيم يقوم بتحليل مادة (الاستيل كولين) التى تعمل كوسيط لنقل إشارات الأعصاب فى أماكن التقائها بالجهاز العصبى عند اتصال الأعصاب الحسية بالأعضاء الحركية والغدد والعضلات وهذا النوع من المبيدات سهل التحلل بل ويستخدم الكثير منها فى القضاء على الحشرات المنزلية.  وقد ثبت أن المركبات الناتجة من تحلل هذه المركبات هى مواد سامة وأعلى سمية من المبيد الأم.

3- المبيدات الكرباماتية مثل:  السيفين واللانيت وهى تشابه المبيدات الفوسفورية فى طريقة عملها حيث إنها توقف عمل أنزيم الكولين استريز، وهى مركبات لها درجة عالية من الثبات فى البيئة ويقع تحتها الكثير من مبيدات الحشائش.

ج- المبيدات الحديثة ومن أمثلتها: الهرمونات ومانعات الانسلاخ – الفيرمونات وغيرها من المبيدات الحديثة وهذه المبيدات تأثيرها على البيئة ما زال تحت الدراسات.

ولقد أصبح استخدام المبيدات الحشرية الأداة الأساسية لمكافحة الآفات فى العالم سواء كانت آفات زراعية أو حشرات ناقلة للأمراض كالذباب والبعوض والبق أو القواقع أو الحشائش. وقد أدى كثرة استخدام المبيدات الحشرية فى الآونة الأخيرة إلى تلوث الأرض الزراعية والنباتات ببقايا المبيدات الحشرية، وتتوقف كمية بقايا المبيدات بالتربة على مدى ثباتها لخواصها الطبيعية والكيميائية وصورها وتركيزها وطبيعة التربة.  وتعتبر التربة مصدرًا رئيسيًا لتلوث كل ما يوجد عليها من محاصيل مختلفة وحيوانات المزرعة ومنتجاتها بالمبيدات والتى تنتقل بدورها للإنسان الذى يعتمد اعتمادًا كاملاً عليها فى غذائه.  ومن هنا تظهر مدى الخطورة التى يمكن أن يتعرض لها الإنسان نتيجة انتقال هذه السموم إلى جسمه.

ويتوقف تأثير المبيدات على صحة الإنسان والحيوان على عدة عوامل هى:

1– مدى سمية المادة الفعالة التى تدخل فى تركيب المبيد.

2- جرعة وتركيز المبيد.

3- الخواص الطبيعية الكيميائية للمادة الفعالة التى تدخل فى تركيب المبيد.

4- طريقة دخول وامتصاص مادة المبيد بجسم الإنسان والحيوان وطرق امتصاص المبيد عبر الجسم تتكون أساسًا من:

أ – الاستنشاق ويحدث ذلك فى الأماكن المغلقة أثناء صناعة المبيدات.

ب- الجلد والأغشية المخاطية وهى أكثر طرق الإصابة المهنية شيوعًا.

5- مدة التعرض للمبيدات حيث تساعد مدة التعرض فى تحديد الجرعة التى يتم امتصاصها.

بعد سنوات طويلة من الاعتماد على المبيدات كوسيلة وحيدة فى مكافحة الآفات ننظر حولنا ونتحسر على ما فعل الإنسان بنفسه بهذه السموم، ولا يختلف اثنان على فائدة المبيدات وكذلك الأضرار التى تحدثها.  لذلك كان لابد أن نتعامل مع هذه المبيدات من منطق (فائدة فى مقابل الضرر) ولا يوجد مبيد نظيف أو غير سام حاليًا وفى المستقبل وتحقيقًا لأكبر فائدة مع أقل ضرر لهذه المبيدات يجب التمسك بالتعليمات والتوصيات المنصوص عليها لاستخدام المبيدات، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بالاستخدام المناسب؛ بمعنى اختيار المبيد المناسب والتركيز المناسب على الآفة المناسبة فى التوقيت المناسب وكذلك يجب أن يكون قرار استخدام المبيدات القرار الأخير وعند الضرورة.

لماذا المبيدات خطيرة على الكائينات الحية

الإجابة بسيطة حيث ضخمت المبيدات من حجم المشاكل التى كان من المفروض أن تحلها ويكفى أن نعدد أضرار المبيدات الحشرية وما أحدثته المبيدات من جراء الاستخدام المكثف والعشوائى.

1- الاستخدام المتكرر للمبيدات أدى  إلى ظهور العديد من الآفات التى تستطيع تحمل العديد من المبيدات بتركيزات عالية.

2- تفاقم مشكلة تلوث البيئة بالمبيدات خاصة مصادر مياه الرى والشرب وتلوث التربة.

3- وجود المبيدات فى المنتجات الغذائية المصنعة خاصة فى الألبان ومنتجاتها.

4- زيادة حالات الأمراض الخطيرة التى تصيب الإنسان خاصة السرطانات وأمراض الكبد والكلى، والمبيدات قد تنتقل خلال لبن للأطفال الرضع ولو بتركيز خفيف.

5- المبيدات الحشرية لها تأثير ضار على الجينات وتسبب تشوهات الأجنة وولادة الأطفال ناقصى النمو، كما تؤثر بالضرر على هرمونات الجسم وكفاءة الجهاز المناعى، كما تسبب المبيدات إجهاض الحوامل من الإنسان والماشية

6- لا يقتصر تأثير المبيدات على الإنسان فقط بل يمتد إلى الطيور حيث يتبين أنه يدخل فى العمليات الكيميائية المؤدية إلى تكوين الكالسيوم فى أجسام الطيور مما يؤدى إلى إنتاج بيض رقيق القشرة وهش.

7- وتؤثر المبيدات على شغالات النحل أثناء تجميع الرحيق من الأزهار فيؤدى إلى موت تلك الشغالات بالتالى يؤدى إلى نقص فى إنتاج العسل

من كل ما سبق نستطيع أن نقول أننا فى حاجة إلى مبيد حشرى مثالى كى نتجنب هذه الأخطار، ويجب أن يكون مميزات المبيد الحشرى المثالى هى:

1- إبادة جميع أنواع الحشرات وفى مختلف المراحل من دورة الحياة.

2- يجب أن يكون فعلة سريع جدًا.

3- غير سام للحيوان المضيف وأقل ضررًا على الإنسان.

4- يمكن استعماله فى عده صور مختلفة وبسهولة (مراهم – غسول – رش – تغطيس).

5- لا يتراكم فى التربة.                    6- أن يتحلل إلى عناصر غير سامة.

لذلك ينبغى العمل على تداول واستخدام المبيدات بأسلوب علمى سليم من خلال برامج متكاملة من التدريب والتوعية منعًا ودرءًا لأضرارها على صحة الإنسان والحيوان والبيئة ودعماً لتأثيراتها الإيجابية فى القضاء على الآفات وزيادة إنتاجية المحاصيل على اختلاف أنواعها وبالتالى عائدها الاقتصادى.

وننتقل إلى لون آخر من ألوان طاعون القرن العشرين. فسنجد أن مكان الصدارة محجوز لعالم (الهرمونات الغذائية) فهى يطلق عليها فى بعض الأحيان الكيماويات الشيطانية لما لها من تأثير على الدواجن والحيوانات فى زيادة وزن أجسامها من أجل خلق سوق رابحة للمال ودورات سريعة لرأس المال.  إن الحقيقة المرة أنه يقف وراء هذه السوق بلا حياء أساطين  سوق أخرى سحقوا حبوب منع الحمل وخلطوها بغذاء الدواجن أضافوا إليها أملاحًا وهرمونات ليسرعوا بإيقاع النمو الذى خلقه الله متوازنًا فعبثوا به فكل لحوم الدواجن التى نأكلها محلية أو مستوردة تلعب فيها الكيماويات دورًا للشر لم تعهده البشرية من قبل، وكذلك أتى نتاجها من البيض كبير الحجم بلا طعم ولا فائدة اللهم إلا ما يضيفه إلى أجسامنا من كولوسترول وهو حصيلة لعنه الكيماويات.

وفى النهاية نرى أننا نعيش تحت ظلال الكيماويات فى هذا العصر، وتسقينا السم الزعاف قطرة بقطرة ويومًا بعد يوم. فلا يوجد من سبيل إلا أن تتكاتف الجهود كلاً فى مكان لكى نتخلص من هذا الطاعون الذى يزحف ويهدد الحياة على وجه الأرض


دكتوره/ ايمان زعبل – باحث الباثولوجيا الاكليتيكية بمعهد بحوث صحه الحيوان بالزقازيق – مركز البحوث الزراعية – مصر



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى