المستشار مساعد عبدالعاطي يكتب: قراءة قانونية في وثيقة واشنطن حول سد النهضة

وقعت دول النيل الشرقي مصر والسودان وإثيوبيا في مارس ٢٠١٥، على وثيقة إعلان المبادئ كمرجعية قانونية وفنية إطارية للوصول إلى توافق حول طريقة ملء وتشغيل سد النهضة في ضوء قواعد القانون الدولي، على أن يستتبع توقيع إعلان المبادئ، إبرام الدول الثلاث لاتفاق أكثر تفصيلا لمعايير وقواعد ملء وتشغيل سد النهضة، في ضوء ما خلصت إليه توصيات اللجنة الدولية للخبراء التي شكلت للوقوف على تحديد الآثار المترتبة على إنشاء السد على مصر والسودان، والذي كان من المفترض توقيعه عقب انتهاء مسار واشنطن.

فمن الثابت أن تقرير اللجنة الدولية قد انتهى إلى عدم مقدرة اللجنة على تحديد الآثار السلبية التي قد تلحق بالبلدين، وأرجع تقرير اللجنة السبب وراء ذلك الإخفاق إلى تعمد إثيوبيا إخفاء الدراسات والبيانات الفنية المرتبطة بالسد، وفي ذات الوقت فإن تقرير اللجنة الدولية للخبراء يعد حجة قانونية هامة ضمن الحجج التي يتضمنها الملف المصري بشأن سد النهضة.

لذلك نجد أن إعلان المبادئ قد نص بصورة صريحة على ضرورة استكمال الدراسات المطلوبة من قبل اللجنة الدولية للخبراء قبل تشغيل السد، بما يعني أن استمرار إثيوبيا في بناء السد، لا يؤثر على جوهر إعلان المبادئ من أن الملء الأول وتشغيل السد مرهونا باستكمال الدراسات الفنية، وهنا نشير إلى نص المادة الخامسة من إعلان المبادئ، والتي تلزم الدول الثلاثة بـ”تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية (IPoE)، واحترام النتائج النهائية للتقرير النهائي للجنة الوطنية الثلاثية (TNC) بشأن الدراسات المشتركة التي أوصى بها التقرير النهائي للجنة الدولية للخبراء ـ IPOE خلال مختلف مراحل مشروع”.

وينص أيضا على أن “الدول الثلاث، بروح التعاون، ستستخدم النتائج النهائية للدراسات المشتركة، التي سيتم إجراؤها وفقا لتوصيات تقرير IPoE والمتفق عليها”.

وقد حدد إعلان المبادئ فترة خمسة عشر شهرا للانتهاء من الدراسات التي سيقوم بها المكتبين الفرنسيين، ثم وجدنا الاعتراض الإثيوبي على التقرير الاستهلالي الصادر عن هذين المكتبين، والذي صدر فيه من المعايير والضوابط العلمية المعمول بها عالميا، الأمر الذي دفع مصر وفي محاولة منها للتمسك بأهداف مسار التفاوض بشتى الوسائل، إلى تشكيل اللجنة التساعية والتي تضمنت وزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة الاستخبارات في الدول الثلاث لإعطاء المفاوضات الزخم والاهتمام السياسي الكبير، إلا أن استمرار المماطة والتعسف الإثيوبي، دفع مصر هنا إلى تفعيل البند العاشر من إعلان المبادئ والذي يسوغ للأطراف اللجوء إلى أحد الأطراف الدولية كوسيط لتقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث.

وبالفعل طلبت مصر تدخل الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي في النزاع، وهي خطوة غاية في الأهمية نظرا لما للطرفين من مكانة فنية وسياسية واقتصادية كبيرة عالميا، وقد قبل كل من الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي التدخل في مجريات النزاع، من خلال تحديد سقف زمني للمفاوضات خلال الفترة من أغسطس ٢٠١٩ حتى فبراير ٢٠٢٠، وعبر جدول لجولات التفاوض جاء على النحو التالي:

١- اجتماع وزراء الخارجية والري – واشنطن العاصمة في ٦ نوفمبر ٢٠١٩.

٢- اجتماع وزراء الري في الدول الثلاث – أديس أبابا في الفترة من ١٥ – ١٦ نوفمبر ٢٠١٩ .

٣- اجتماع وزراء الري – القاهرة يومي ٢- ٣ ديسمبر ٢٠١٩ .

٤- اجتماع وزراء الخارجية والري – واشنطن العاصمة في التاسع من ديسمبر ٢٠١٩ .

٥- اجتماع وزراء الري – الخرطوم يومي ٢١ – ٢٢ من ديسمبر ٢٠١٩ .

٦- اجتماع وزراء الري – أديس أبابا يومي ٨- ٩ يناير ٢٠٢٠ .

٧- اجتماع وزراء الخارجية والري – واشنطن العاصمة خلال الفترة من ١٣- ١٥ يناير ٢٠٢٠.

٨- اجتماع مجموعة العمل القانونية والفنية – الخرطوم يومي ٢٢- ٢٣.

٩- اجتماع وزراء الخارجية والري – واشنطن العاصمة خلال الفترة من ٢٨- ٣١ يناير ٢٠٢٠ .

١٠- اجتماع مجموعات العمل القانونية والفنية – واشنطن العاصمة خلال الفترة من ٣- ١٠ فبراير ٢٠٢٠.

١١- اجتماع وزراء الخارجية والري – واشنطن العاصمة يومي ١٢ – ١٣ فبراير ٢٠٢٠.

١٢- اجتماع وزراء الخارجية والري – واشنطن العاصمة يومي ٢٧ – ٢٨ .

ويمكن القول إن نتائج جولات التفاوض المعنية بمسار واشنط ن قد كشفت عن عدة أمور من بينها استمرار استراتيجية إثيوبيا بشأن سد النهضة، والمتمثلة في اللعب على عامل الوقت والمراوغة، في المقابل وجدنا مصر قد تعاملت بمرونة كبيرة للوصول إلى اتفاق عادل يحقق مصالح الأطراف الثلاثة، أيضا أهمية مراقبة ومتابعة كل من الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي لتفاصيل التفاوض وتصرفات أطراف النزاع حيال الوصول لتسوية له.

الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة الأمريكية في منتصف فبراير إلى طرح رؤية من واقع الاتفاقات الفنية والقانونية التي توصل إليها الطرفان، بما من شأنه وضع صياغة نهائية للوثيقة، وبالفعل أعدت الولايات المتحدة الأمريكية مسودة الاتفاقية وتم إطلاع الأطراف على الاتفاقية النهائية في 22 فبراير 2020، وبعد مراجعة الاتفاقية، أعلنت مصر أنها قبلتها وقررت توقيعها مبدئيا في 28 فبراير 2020، إلا ان إثيوبيا رفضت بنود الاتفاقية.

الأمر الذي يدعونا إلى عرض أهم ما جاءت به مسودة اتفاقية واشنطن وتحليل ما ورد بها من أحكام في ضوء قواعد القانون الدولي.

أهم ملامح مسودة وثيقة واشنطن حول سد النهضة:
——————————————————–
يجب الإشارة في البداية إلى مسألة هامة وهي تعد مكسبا كبيرا لمصر وتتمثل فيما طرحه البنك الدولي من رؤية وصياغة فنية على أحكام هذه الاتفاقية، بما يملكه من خبرات فنية عالمية في مجال إنشاء وتشغيل السدود المائية على الأنهار الدولية، وأيضا الدور الأمريكي الذي استطاع أن يطرح رؤية توافقية في ظل استمرار التعسف والمماطلة الاثيوبية، من خلال طرح حل وسط توافقي يمكن إثيوبيا من ملء السد بالسرعة التي تسمح بها الظروف الهيدرولوجية، وعلى المدى الطويل، وأيضا ضمان القدرة على توليد الطاقة الكهرومائية من سد النهضة على نحو مستدام، ومن ناحية أخرى، تضمن الاتفافية حماية مصر والسودان من الثأثيرات الجسيمة للجفاف أو فترات الجفاف الطويلة التي قد تتزامن مع ملء سد النهضة أو التي قد تحدث أثناء تشغيل السد.

وقد تناول هذا الاتفاق عدة نقاط هامة يجب الإشارة إليها وذلك على النحو الآتي:

1- قبلت مصر خطة التخزين والملء على أساس المقترحات التي عرضتها إثيوبيا، بما يعني ربط عملية الملء بكل مرحلة على حسب الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق، بما يعني أن الملء في المتوسط سيكون ​​وفقًا للجدول الزمني، بينما سيتم تسريع الملء في السنوات فوق المتوسط ​​وفي السنوات الأقل من المتوسط ​​ستتباطأ عملية الملء.

2- تحقيق ما ذهب إليه الوفد المصري من خلال تمسكه بأعمال إجراءات التخفيف من الجفاف أثناء الملء، لذلك تم التوافق على إدراج قيد وحيد على فترة الملء الأولية هذه لمدة عامين وهو أنه في حالة حدوث جفاف شديد بشكل استثنائي، علما بأن نسبة حدوث ذلك الجفاف لا يتعدى ٢ إلى ٣% ، وإذا حدث ذلك الجفاف فسيتم تمديد هذه المرحلة الأولية قليلاً.

ولكن هنا يطرح تساؤلا هاما حول الموقف في حالة حدوث جفاف بعد العامين الأوليين من الملء؟

نجد أن الاتفاقية قد عالجت هذا الموقف حيث نصت على أنه سيتم الملء وفقًا لصيغة مفصلة وعلى مدى سنوات طويلة، من خلال نسبة محددة من المياه المخزنة في السد فوق 603 أمتار، هنا نشير إلى أن وصول التخزين عند مستوى مياه 603 أمتار (والذي سيتم الوصول إليه فقط في أسوأ حالات الجفاف)، سيحتفظ السد بحوالي 25 مليار متر مكعب، وهو ما يسمح للتوربينات بالعمل بكامل طاقتها الفنية، و بالتالي توليد الطاقة الكهربائية بمعدل كفاءة يقارب 80٪ من سعتها بما يحقق الهدف الإثيوبي، شريطة توافق الدول الثلاث حول آلية لمعالجة حالات الجفاف بعد التشغيل تتمثل في أنه بمجرد وصول مستوى المياه في السد إلى 625 مترًا، والذي تطلق عليه إثيوبيا “مستوى التشغيل الأمثل”، يتم صرف إجمالي حجم المياه التي تدخل إلى خزان السد تجاه مصر والسودان .

3- نصت الاتفاقية على آلية مشتركة لتسوية المنازعات والتنسيق بين دول النيل الشرقي وهي تجمع بين الحلول القائمة على التفاوض للنزاعات المائية، وأيضا خيار إحالة المسألة إلى التحكيم الدولي الملزم ، لكن مسألة اللجوء للتحكيم الدولي قوبل بالرفض القطعي من الجانب الإثيوبي.

4- انطلاقا من أهمية ضمان تبادل البيانات والمعلومات المرتبطة بالمجري المائي، فقد نصت الاتفاقية على آلية تنسيق تسمح بتبادل البيانات بشكل مبسط واجتماعات منتظمة لضمان تنفيذ أحكام الاتفاقية.

الرؤية المصرية الإثيوبية لمسودة واشنطن :
———————————————

– أولا: سعت مصر بكل الوسائل إلى تحقيق موازنة بين قواعد ملء وتشغيل إثيوبيا للسد، وبين ضمان حقوقها المكتسبة في مياه الهضبة الإثيوبية، لذلك سعت مصر لتوقيع اتفاقية دولية تتضمن حقوق والتزامات جوهرية واضحة، لا تقبل التأويل الإثيوبي مستقبلا، وأيضا النص على آليات وضمانات إجرائية بقصد التنفيذ الفعال لأحكام الاتفاقية، لذلك حاولت إثيوبيا إضفاء وصف توافقات أو تفاهمات حول مسودة واشنطن، وعدم توصيفها بوصف الاتفاقية الدولية، وتمثل المحاولات الإثيوبية تناقضا تاما مع طبيعة قواعد القانون الدولي الحاكمة للمفاوضات والإجراءات التي تسبق إبرام الاتفاقيات الدولية.

– ثانيا: حاولت إثيوبيا بشتى الوسائل بعد موافقتها على قواعد ملء سد النهضة، الاحتفاظ لنفسها بوضعية تكفل لها العمل بحرية واسعة فيما يتعلق بتشغيل السد، وهو ما طرحت إثيوبيا بالفعل خلال اجتماع وزراء الري في أديس أبابا يومي 8 و9 يناير 2020، حيث تضمن الطرح الإثيوبي فيما يتعلق بتشغيل السد ما يلي: “في نهاية موسم الأمطار، سيتم إعداد قاعدة التشغيل السنوية وإبلاغها”، أما فيما يتعلق برؤيتها حول تدابير التخفيف من الجفاف فنجد أنها عرضت رؤيتها من أنه “سيتم تحديد النسبة المئوية وشروط تصريف المياه بمعرفة الجهات التابعة لوزارات الري في البلدان الثلاثة للظروف السائدة”، إثيوبيا تهدف من وراء تلك المقترحات إلى وضع الدول الثلاث في حالة دائمة من المفاوضات حول قواعد التشغيل حسب الظروف مما يضع مصر والسودان تحت إرادة الجانب الإثيوبي”.

ثالثا: تمحورت رؤية مصر لأحكام اتفاقية واشنطن ، باعتبارها اتفاقية معنية فقط بشأن سد النهضة، وأنها لا تعد نظامًا شاملاً لاستخدام مياه النيل الأزرق، وأيضا ليست اتفاقية لتوزيع المياه، في المقابل حاولت إثيوبيا استخدام هذا الاتفاق لإرساء حقوق مطلقة لها في إنشاء سدود مائية في المستقبل؛ لذلك أصر الجانب المصري علي أهمية إعمال وتطبيق مبادئ وقواعد القانون الدولي للأنهار الدولية على الدول الثلاث فيما يتعلق بصور استخدامات مياه النيل الأزرق كافة، بخاصة الالتزام بمبدأ عدم الإضرار الجسيم ومبدأ الإخطار المسبق عند الشروع في بناء مشروعات مائية.

رابعا: المسألة الهامة والتي يجب أن نؤكد عليها هي أن مخرجات وثيقة واشنطن تعبر عن آراء ومواقف الدول الثلاث من خلال جولات التفاوض المشار إليها سلفا، وقد جاءت أحكامها في صياغة قانونية منصفة، راعت فيها مصالح دولة المنبع وأيضا دولتي الممر والمصب مصر والسودان في إطار قواعد القانون الدولي ذات الصلة.

خلاصة القول، يجب أن نثمن قرار القيادة السياسية المصرية بإدخال الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي في أتون هذه المفاوضات، باعتباره قرارا مفصليا في مسيرة النزاع حول سد النهضة، ومن شأنه تحقق أهداف بعيدة المدي للدولة المصرية في إدارة هذا النزاع، ومن بين النتائج الإيجابية لوساطة الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي، إطلاع الطرفين على مظاهر التعسف الإثيوبي منذ بداية إنشاء السد في عام ٢٠١١، حتى تاريخ إدخالهما في النزاع، في الوقت ذاته كيف تعاملت مصر بمرونة كبيرة طوال هذه المفاوضات رغبة منها في التوصل إلى تسوية سلمية منصفة للدول الثلاث، وهو ما يدلل عليه توقيعها على مسودة الاتفاق بما يحمله ذلك من دلالات قانونية وسياسية عديدة، وبالتالي فإن مسار واشنطن يعد بحق نقطة إيجابية تضاف إلى الحجج والأسانيد العديدة التي يحتويها الملف المصري بشأن هذا النزاع، وبالتالي يجب البناء عليها قانونيا وسياسيا عند طرح النزاع أمام المحافل الدولية والإقليمية، خاصة في ظل الإعلان الرسمي من قبل الدولة الإثيوبية عن ملء خزان سد النهضة في يوليو القادم في تحدي خطير يمثل في الوقت ذاته انتهاكا صارخا لقواعد القانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة لما ينطوي عليه من تهديد مباشر لحالة السلم والأمن الدوليين في منطقة شرق إفريقيا، كما يخالف أيضا مخرجات وثيقة واشنطن، الأمر الذي يعطي لمصر الحق في اللجوء إلى آليات قانونية على المستويين الدولي والإقليمي للدفاع عن حقوقها المكتسبة في مياه الهضبة الإثيوبية.


المستشار الدكتور/ مساعد عبدالعاطي شتيوي عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للقانون الدولي

نقلا عن الشروق

تعليقات الفيسبوك